تصريحات رئيس الوزراء حول موقف الحكومة من قيادات الحركة الاسلامية وتحذيره كما قال -للمرة الاخيرة- من وصول الامور الى المحظور تفتح الباب امام فصل جديد من فصول التوتر الذي فاق كل ما سبق في العلاقة بين الجهات الرسمية والإسلاميين. والمحظور الذي لا يتمنى احد وقوعه هو ان نخسر النموذج الأردني في التعايش بين الحركة الاسلامية والدولة، الذي امتد منذ الايام الاولى لتأسيس الجماعة عام 1946 حين افتتح الملك عبدالله الاول رحمه الله دار جماعة الاخوان في وسط عمان.
والمحظور أن نفقد الحكمة التي جعلت للنموذج الأردني ميزة على الآخرين، بينما كان الاخوان يتعرضون للخطر والاجتثاث والإعدام والاغتيالات والسجن في العديد من الساحات العربية، وحتى لو تجاوزنا المنطق الوطني فإن الطرفين تبادلا المنافع والمصالح عبر المراحل السياسية المختلفة، وحتى في ايام الاحكام العرفية ومنع الاخوان من العمل والسفر فإن العلاقة لم تصل في عمق الخلاف الى ما تعيشه منذ سنوات قليلة.
ولو أردنا الدخول في الأسباب ومسؤولية كل طرف لقضينا وقتاً طويلاً في الشرح، والغاية ليست القول ان المسؤولية هنا او هناك، فهذا امر قيل فيه الكثير، لكن محصلة الامر اننا -الآن- أمام مشكلة كبيرة جوهرها انعدام الثقة وغياب عوامل الأمان والاطمئنان التي كانت سبباً في استقرار العلاقة عقوداً، بل إن هذه العلاقة استعصت على عوامل التحريض التي كانت تمارسها اطراف عربية ودولية ومحلية ضد الحركة الاسلامية.
هنالك الكثير من الحديث لدى الحكومة ومثله لدى الاسلاميين، لكن اللحظة التي نعيشها تبدو متخمة بالتوتر، وفي الأفق القريب جداً تصعيد وإجراءات، ولهذا فالوقت يسير باتجاه الوقوع في المحظور الذي نفهمه على انه فقدان وهدر للنموذج الاردني الذي صنعته الدولة والحركة الاسلامية، وسنبقى نتحدث بما يجب وبضرورة الذهاب نحو حديث لا يتجاوز جوهر المشكلة، بل يعالج ما لم تقم بفعله كل اللقاءات السابقة، لأن ممارسة اي نوع من اضاعة الوقت من اي طرف قد يذهب بنا الى مراحل تتجاوز في آثارها الحكومة او الاسلاميين، بل ستمتد الى الحياة السياسية والعامة في كل الاردن.
لا يمكن ان نختلف جميعاً على الدولة والدستور والقانون، وهذا هو مفتاح لحوار حقيقي، حوار يتجاوز الصحف والإعلام، لأن اللجوء إلى الإعلام يزيد من الأمور سوءاً وتصعيداً وتوتراً، ومرة اخرى ومن خلال تحليل حديث رئيس الوزراء الذي نشرته الصحف امس فإننا نخشى ان تدخل العلاقة في متاهات القانون والقضايا او اي احتمالات تتحدث بها الاوساط السياسية والاعلامية.
أحد أبرز ملامح معادلة استقرار الاردن التي نحرص عليه جميعاً يتمثل باستقرار العلاقات بين اطراف ومفردات الدولة من حكومة وقوى سياسية واجتماعية، ولهذا نطالب، دائماً، بما يجب، ونسعى لتفويت الفرصة على اي مرحلة رديئة، وحتى لو كانت التحليلات تشير الى ان الوقت ضيق جداً امام خيار الحوار، فإننا جميعاً سنبقى حريصين على تكريس لغة المنطق الوطني الذي لا غنى عنه حتى في اشد مراحل العلاقات تردياً حتى بين الاعداء فكيف بين حزب او تنظيم وحكومته.
أعلم أن البعض في معسكري الخلاف يفضلان من يمارس اصطفافاً لنقد المعسكر الآخر، لكن هذا يصلح في مناقشة القضايا السياسية او القرارات والاجراءات، أمّا عندما نشعر اننا امام مرحلة قد تحمل تحولات غير مسبوقة وذات اثر سلبي على حياتنا العامة فإن الاولوية لإطفاء الحرائق وحل المشكلات وفتح ابواب الحوار لا لأمور أخرى.
هل نتحدث هنا بمنطق مثالي، كما يقول لنا البعض؟ وهل نطالب بمسار فات وقته كما تعتقد بعض الاطراف؟ ربما تكون هذه قناعات هذه الاطراف لكننا جميعاً دعاة التهدئة والحل الجذري للمشكلة لا نرى بديلاً عن ارسال هذه الدعوات؛ فمصلحة الاردن أن تستقر علاقاتنا الداخلية، وأن تبقى اللغة بيننا قائمة على الإيمان بالدولة والاحتكام للدستور والقانون، ولأن الحركة الاسلامية ليست حدثاً طارئاً على الاردن، وهي تنظيم له تاريخ حافل بالمواقف الوطنية فإننا جميعاً لا نرى بديلاً عن الحكمة والمنطق والحوار العميق، والخطأ ايا كان مصدره مردود لأن استمراره من اي طرف يدفع ثمنه الاردن والاردنيون، في مرحلة صعبة ومنطقة مكتظة بالقلق والفتن.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية