انحازت الحكومة ايجابياً إلى اتخاذ قرار سياسي سليم وضروري عندما قررت عدم رفع مشتقات البترول هذا العام، وأعتقد أنّ ما كنا نقوله، ويقوله آخرون، عن انحياز الرئيس الى فقر الناس وحاجتهم وادراكه لمعاناتهم، أعتقد ان هذا جزء من محددات قرار الحكومة الذي تجاوز ما كان مفترضا ومتوقعا من رفع للأسعار أي زيادة معاناة الناس.
سياسياً؛ فإن الحكومة لم يكن ينقصها أي مشكلات وأزمات، وقرار رفع الاسعار من أي حكومة قرار صعب وكفيل بإهدار صورتها، واذا كان رفع الأسعار قراراً صعباً وليس شعبياً، فإنّ عدم رفع الأسعار قرار صعب سياسياً.
حاليا، وكما قال الرئيس فإنّ الحكومة لم تنحز إلى لغة الأرقام بل إلى لغة السياسة ومعاناة الأردنيين الذين لا يمكنهم أن يتحملوا الكثير من القرارات الاقتصادية الصعبة، ومثلما تجد الحكومات نفسها في وضع صعب عندما يزداد عجز الموازنة، فإنّ المواطن يجد نفسه في وضع أصعب عندما تتكاثر عليه عمليات رفع الأسعار، وفي كل المرات السابقة كانت الحكومات "تدبر" نفسها على حساب معاناة المواطن.
وعلى الرغم أن الحكومة الحالية لديها قرارات وارقام منطقية وهي التي أدت الى استقالة وزير المالية إلاّ أنّها أحسنت حين قررت أن تبحث هي عن وسائل لسد عجز الموازنة، لكن دون ان تُدخل المواطن شريكا استراتيجيا معها، وهذا ما خفف على الناس أعباء كبيرة، وهم يدخلون العام الدراسي ثم رمضان والشتاء.
لعل إحساس الحكومة بأنها أثقلت على الناس في ادارتها لبعض الملفات والقضايا جعلها تنحاز إلى خيار حماية الناس من معاناة اضافية، وتحمل على عاتقها ايجاد حلول لمشكلة عجز الموازنة وارتفاع اسعار النفط عالميا، وهذا الامر يسجل للحكومة التي عليها أولا أن تبحث عن كل الخيارات والوسائل قبل أن تقرر زيادة معاناة الناس.
سياسياً، أيضاً، فإنّ هذا القرار سيعيد الدماء إلى أوصال الحكومة وستستعيد الكثير من عافيتها أمام المواطن الاردني, وتكون قد نجحت، بامتياز، أن تمارس قناعاتها السياسية بضرورة الانحياز لفقر الناس وحقهم بأن تحمل الحكومات عنهم بعض المعاناة، والاّ يكون المواطن هو الخيار الأول لحل المشكلات والأزمات.
الحكومة، التي اصبح شبه مؤكد انها ستُجري الانتخابات النيابية، عالجت بهذا القرار الصائب إحدى مشكلات التشكيك فيها، بل سجلت لنفسها سبقا وانجازاً عند المواطن قد يكون مساعدا على تجاوز اثارة المشكلات والأزمات السابقة، وحتى إذا رحلت الحكومات، بعد الانتخابات النيابية القادمة، فإن الرئيس لن يغادر وفي رقبته قرار رفع الاسعار الذي سيضاف إلى قضايا أخرى لم تكن في مصلحة الحكومة.
طبيعة الطواقم الاقتصادية في دوائر صنع القرار في الحكومات وخارجها انها دائما تفضل الاستجابة للاستحقاقات الدولية، لكن يبدو ان هذا القرار الذي اتخذته الحكومة، والذي يسجل للرئيس، جاء بعد عمليات اقناع وربما جدل استطاعت الحكومة فيه أن تثبت أن بإمكان الحكومات - لو توفرت لديها الارادة- أن تستنفد كل الخيارات قبل أن تحمل المواطن ثمن السياسات الاقتصادية والالتزامات الدولية.
ومثلما نفرح، نحن عامة الأردنيين، بهذا القرار الذي خفف عنا جميعا المعاناة فإنّ خصوم الحكومة في الصالونات او جزر السياسة يشعرون بالإحباط لأنهم تمنوا لها ان تنهي شهور عمرها بهذا القرار الكفيل بحرق الرئيس، وبخاصة ان النقد كان كثيفا والهجوم كان كبيرا على الحكومة.
طبعا ليس كل النقد كان من هذه الصالونات، فهنالك نقد تستحقه الحكومة لادارتها بعض الملفات، لكن الرئيس سجل هدفا كبيراً لمصلحته ومصلحة حكومته.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة