الساحة السياسية والاجتماعية تنشط هذه الايام للتعامل مع الانتخابات النيابية، لكنني اليوم سأتوقف عند نموذج منهجي ديمقراطي تقدمه احدى عشائرنا الاردنية، وهذه الممارسة ليست استثنائية، فهنالك نماذج منهجية ديمقراطية قدمتها عشائر وتجمعات اجتماعية عديدة في الانتخابات المختلفة السابقة، لكن نموذج اليوم بدأ العمل به كإحدى آليات فرز وانتاج المرشح الكفؤ للانتخابات النيابية القادمة.
عشيرة المبيضين، احدى عشائر محافظة الكرك وهي جزء من تجمع الغساسنة، لكن ما يعنينا الاتفاق الذي تم لانشاء مجلس للعشيرة ليكون بمثابة العقل التنظيمي لها، ومن مهماته الاتفاق على مرشح للعشيرة فضلاً عن مهام اخرى مثل فض النزاعات وتشكيل لجان دائمة، مثل لجنة المرأة والمناسبات، اي مرجعية ادارية للعشيرة. وما يلفت الانتباه هي الآلية، ذات الطابع المنظم والديمقراطي، فالمجلس يضم (28) عضواً ممثلين عن (7) افخاذ، وطريقة اختيار رئيس المجلس بالانتخاب، وحسم القضايا المطروحة على المجلس بالتصويت ايضاً.
هذا المجلس حدد مجموعة مواصفات لمن يحق له التقدم للترشيح للانتخابات النيابية، وهي شروط مرتبطة بالكفاءة والعلاقات والخبرة، حيث سيتقدم كل الراغبين بالترشيح الى مجلس العشيرة الذي سيناقش كل هذه الطلبات وسيجري المجلس التصويت على المتقدمين بحيث يتم اعتمادهم بشكل مبدئي، ومن يحصل على موافقة المجلس الذي يضم (28) عضواً يكون مؤهلاً للتصويت عليه منن قبل الهيئة العامة للعشيرة، حيث ستجري انتخابات على كل المرشحين يشارك فيها كل ابناء العشيرة، اي كل الهيئة العامة ودون ان يُعطى الاب حق التصويت عن عائلته او زوجته.
هذه الطريقة الديمقراطية ستضمن مشاركة الجميع في الاختيار، وتضمن آلية معقولة للاتفاق وتمنع الترشيح العشوائي لمن يستحق ومن لا يستحق، ومهما كانت نتيجة الانتخابات الداخلية فإنها نتيجة لآلية معقولة.
وكما اشرت سابقاً فإن هذا المجلس ليس النموذج الاول في عائلاتنا وعشائرنا، ونذكره ربما تحفيزاً للقوى الاجتماعية لتذهب نحو بناء آليات علمية ومنهجية وديمقراطية لاختيار مرشحيها، فهذا يساهم في تقليل الخلافات وتقديم الانسب، بدلاً من ان يتقدم من كل عشيرة عدة مرشحين سواء من لهم فرص او ليس له فرص حتى يتخطى خانة العشرات او المئات من الاصوات.
وحتى في احزابنا فإن بعضها لا تملك الآليات الموضوعية، وهناك احياناً اشكال من الديمقراطية في الاختيار، لكن في مراحل الحسم الاخيرة لاختيار المرشحين يتم الخروج عن كل اشكال الموضوعية عبر الخضوع للحسابات الخاصة او الكولسات او المقاضيات، وكل هذا في المحصلة يعني ان النتائج غير موضوعية.
العشائر ليست نقيضاً للعمل المنظم والآليات العلمية، والقوى السياسية ليست مرادفاً للموضوعية والفرز للمرشحين على اسس تخدم المصلحة العامة، والدليل ما نراه في مجالس النواب والبلديات وغيرها من نماذج من الحزبيين الذين دخلوا هذا المجالس، ولهذا فالعبرة دائماً بالطريقة وبإبعادها عن الواسطة والشللية والحسابات والمؤامرات، وان تكون ضمن مسار شفاف يعبر عن خيارات الناس.
في زمن ضعف الاحزاب وتشرذمها فإن العشائر يمكنها ان تقدم الكثير في هذا الاتجاه بشرط ان تتخلى عن سطوة اصحاب المال او المواقع او عزوف من لا يحبون الدخول في اجواء غير ايجابية.
ما نتحدث عنه ليس بديلاً عن الاحزاب كمؤسسات للعمل السياسي، ونتمنى ان تكون لدينا احزاب قوية فاعلة تحكمها الاطر والاخلاقيات الديمقراطية، لكن ارتفاع سوية التنظيم داخل اطرنا الاجتماعية من عشائر وعائلات والتوافق على آليات لادارة علاقاتها، سواء في مواسم الانتخابات او غيرها، كل هذا امر محمود بل انه قد يصلح ليكون أنموذجاً تقتدى به بعض احزابنا!

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية