اللغة كائن حي يشبه الانسان تماماً تظل قائمة ويدب في عروقها ماء النطق كلما تشبثنا بها وكلما ادخلناها في منتوجنا الحياتي والعملي. وفي اللحظة التي يبدأ فيها نأينا عن اللغة وتحييدها وتهميشها ونحن نقفز الى استعارات من لغات اخرى تكون اللغة قد بدأت بالاستعداد لمراسيم جنازتها.
والعالم القديم عبر صراعاته الحربية واحتلالاته القائمة على الجَبّ والازاحة لكل ما هو قائم قبله استطاع ان يؤبن اكثر من لغة ويدفنها في ذات التربة التي تخلقت منها.
والغريب ان اللغة في رمقها الاخير تظل منحسرة في نطق واحد لانسان واحد سرعان ما يعلن عن وفاته ، وحينها يعلن ان هذه اللغة قد ماتت بموت هذا المتوفى وهو آخر المتحدثين فيها.
وبالامس اعلن عن اندثار احدى اقدم اللغات الحية في العالم والتي تعود جذورها الى عشرات الآلاف من السنين بعد ان توفيت سيدة تدعى ان بواسر "85" عاماً كانت آخر من يتحدث بها في جزيرة هندية نائية.
وقال ستيفان كوري مدير منظمة سيرفايفال انترناشونال التي تدعم القبائل في أنحاء العالم "بوفاة بوا سر واندثار لغة بوا اصبح جزء فريد من المجتمع الانساني مجرد ذكرى".
وأضاف في بيان "وفاة بوا تذكرة حزينة بأننا يجب الا نسمح بان يحدث هذا للقبائل الاخرى في جزر اندامان".
وقال كار ان بوا كانت احدى عشر لغات محلية تستخدمها قبيلة جريت اندامانيسي.
وتقول منظمة سيرفايفال انترناشونال ان هناك الان 52 فقط من أفراد القبيلة على قيد الحياة. ويعتقد ان القبيلة تعيش على جزر اندامان منذ ما يصل الى 65 الف عام مما يجعل أفرادها نسل احدى اقدم الثقافات في العالم.
وفي البحث عن الظروف المؤدية الى انقراض اللغة نجد ان فشل اللغة في الاستبسال والدفاع عن حضورها وسط اللغات الحية العالمية هو السبب الرئيس المؤدي الى انقراضها.
وفي بعض الاحصائيات تأتي لغة المندرين الصينية في المرتبة الأولى من حيث عدد المتكلمين بها ، قرابة التسعمائة مليون وتليها الإنجليزية فالإسبانية فالبنغالية فالهندية فالبرتغالية فالروسية فاليابانية. ولان اللغة العربية تتبدد في اللهجات العربية المتنوعة وتقبع جدية نطقها بالفصحى التي عادة ما ننفض عنها الغبار كي ننطق بها في المحافل الخطابية والانشائية فان العربية فقدت مكانها في مثل هذه الاحصائيات. ولا غرابة في ان يأتي اليوم وسط الكسل العربي الحضاري القائم الذي يدفن فيه آخر ناطق بلغة الضاد.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور