هنالك تشابه في بعض مفاصل الحراك الاخواني الخاص بالانتخابات النيابية هذا العام، وعام 1997 حيث قاطع الاسلاميون الانتخابات آنذاك. وكانت المرة الأولى التي يتم فيها اللجوء إلى هذا الخيار، وكانت المجموعة القيادية التي انحازت إلى هذا الخيار تبحث عن كل جهد يسندها، واستغلت كل علاقاتها مع القوى والفعاليات لإعطاء دفع لقرار المقاطعة؛ والسبب أن المبررات التي استندت اليها المقاطعة لم تكن (ساخنة)، ومنها مثلاً قانون الصوت الواحد الذي صدر عام 1993 وجرت بموجبه انتخابات في العام ذاته بمشاركة الحركة، ومنها معاهدة السلام والعلاقة مع اسرائيل والتي كانت عام 1994 وكان واضحاً ان مبررات المقاطعة تأتي على خلفية قضايا وقوانين كثير منها بأثر رجعي، وحتى قانون المطبوعات المؤقت عام 1997 فقد نقضه القضاء.
اليوم ونحن على اعتاب انتخابات 2007 يبدو أن توجه معظم تيارات القيادة الإخوانية هو المشاركة في الانتخابات النيابية، وأن الحديث عن المقاطعة وان كان قد تم استخدامه سابقاً فقد كان استخداماً سياسياً، لكن التوجه نحو المشاركة يصطدم بوقائع تجعل من المقاطعة الخيار المنطقي، وأهم هذه الوقائع تداعيات الانتخابات البلدية التي افرزت أمرين مهمين، الأول موقف تكرر من قيادة الجماعة بأن المشاركة في الانتخابات النيابية لن تتم من دون ضمانات تقدمها الحكومة بأنها انتخابات نزيهة، وهذا الشرط لم يجد جواباً رسمياً ولن يجد لأن حديث الحكومة عن ضمانات يعني موافقتها على موقف الجماعة الذي اعتبر الانتخابات البلدية غير نزيهة.
والأمر الثاني، يكمن في أن تداعيات الانتخابات البلدية والأزمات المتلاحقة بين الحكومة والإسلاميين صنعت اجواء لدى قواعد الحركة جعلتها أكثر قناعة بعدم جدوى المشاركة، وعززت قناعة بعض الأوساط بأن المشاركة والتواجد في مجالس النواب لا تحقق أي تأثير وأنها لا تأتي بأكثر من رفع الصوت وتبيان الموقف، وما بين عامي 1997 و 2007 هنالك صورتان: الأولى قرار مقاطعة، احتاج إلى تسويق ودعم ومبررات لم تكن ساخنة، والثانية توجه للمشاركة في ظروف ومعطيات تعزز منطق المقاطعة.
وما تكتبه الصحف عن لقاءات تجريها قيادة الجماعة مع أوساط حزبية وسياسية وإعلامية يبدو ومحاولة لدعم التوجه نحو المشاركة، واعطاء هذا التوجه دفعاً من القوى السياسية والإعلامية والحزبية، هذه القوى التي تفضل بل وتدعو إلى المشاركة، وربما تكون هذه التحركات نوعاً من الخروج من تداعيات الانتخابات البلدية والتحرر مما تركته من استحقاقات بما فيها شرط ضمانات النزاهة. أي اعطاء الذهاب نحو المشاركة قاعدة واسعة من التأييد الخارجي الممثل بالقوى والفعاليات السياسية والإعلامية التي تعتقد أن المقاطعة خيار لا يخدم الجماعة ولا الحياة السياسية.
ربما ما تعتقده اوساط مختلفة أن حدوث تغيير وزاري ومجيء حكومة جديدة سيعطي دفعة لقرار المشاركة باعتبار الحكومة هي التي ادارت الانتخابات البلدية، ودخلت في عدة أزمات مع الإخوان.
 لكن يبدو أن هذا السبب تحديداً يجعل أوساط صناعة القرار في الدولة تقدم دعماً للحكومة، حتى لا تبدو الأخيرة تدفع ثمن إدارتها للعلاقة مع الإسلاميين، وربما هي محاولة أيضاً للقول بأن ما فعلته الحكومة في هذا الملف ليس توجهاً حكومياً بل هو مسار تتبناه مؤسسات صناعة القرار في أجهزة الدولة المختلفة.
معظم تيارات القيادة الإخوانية تفضل المشاركة في الانتخابات النيابية، حتى وإن اختلفت دوافع ومبررات مجموعة عن أخرى، لكن هذه التوجهات تنتظر تشجيعاً وتحريضاً ودعوات للمشاركة، وكل صوت يخرج من أي طرف أو قوة سياسية أو اعلامية أو شعبية يدعو للمشاركة ويقدم مبررات ومنافع لها سيجد قبولاً وترحيباً. والأهم أن هذه الأصوات تنتظر من هذه القوى المتجهة للمشاركة إشارات إيجابية رسمية ترحب بمشاركة الإسلاميين أو تبعث نوعاً من الدفء في العلاقة أو تتحدث عن انتخابات نزيهة حديثة ليس إعلامياً بل عبر حوارات غير اعلامية أو رسائل سياسية.
ما نسمعه من بعض الأوساط الرسمية، ولا يمكن الجزم أنها تمثل كل الاوساط الرسمية، أن هناك رغبة في أن يشارك الجميع في الانتخابات بمن فيهم الاسلاميون، يبدو في المجمل ليس رغبة مطلقة، أي من دون تقديم استجابات أو تقديم ضمانات أو حتى تراجع عن الخطاب السابق، ولكنها رغبة بأن تكون المشاركة بقرار ذاتي من الجماعة أو أن تكون مشاركة محدودة لاكمال النصاب السياسي للعملية الانتخابية.
 طبعاً هناك قوى سياسية وحزبية واجتماعية تتمنى مقاطعة الإخوان للانتخابات؛ لأن هذا يعزز فرصها في دخول مجلس النواب، وما نتمناه جميعاً وما يتناسب مع المسار السليم للدولة هو أن تشارك كل قوانا السياسية والاجتماعية، وأن تجري الانتخابات النيابية بشكل ديمقراطي ونزيه وادارة فنية ناجحة، وهذا ما نتمنى أن تكون عليه الانتخابات القادمة، ومن المؤكد أن مشاركة الاسلاميين جزء أساسي من بناء عملية انتخابية مكتملة النصاب السياسي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة