ليست الكارثة الأساسية التي صنعها الاحتلال الأميركي للعراق تكمن فقط في تفكيك الدولة العراقية، وهدر هويتها العربية، ثم تركها نهبا لأتباع النفوذ الإيراني من أجل بناء المؤسسات، وتحديدا الشرطة والجيش على أساس طائفي أو لنقل بما يخدم المشروع الفارسي. ليست الكارثة في ذلك وحسب، بل ثمة كوارث أخرى حدثت وصنعها الاحتلال ومنها بناء معادلات غير سوية وفاقدة للاتزان، وهذه المعادلات هي الأولويات والخيارات لأطراف المعادلة العراقية.
بعض جهات المقاومة العراقية ذات البعد الديني والامتداد العشائري وصلت إلى قناعة بأن الخطر الذي يتهدد العراق هو من محتل أميركي، لكنه مهما طال ذاهب، أما الخطر من النوع الدائم فهو الخطر الإيراني الذي تمثله الأجندة الإيرانية، وتقدم له الدعم المالي السخي والعسكري، وله أيدٍ ومخالب عبر الميليشيات والتنظيمات الموالية لطهران، وهذه الجهات وصلت إلى قناعة صعبة بأن الاقتراب من المحتل الأميركي والتفاهم معه أمر مباح في سبيل مقاومة الخطر الطائفي والنفوذ الفارسي، وحملت هذا المشروع تحت دافع أمني ميداني، هو توفير شرعية لسلاح هذه المجموعات والعشائر، وتحويله إلى سلاح منظم لمواجهة غياب التوازن في بنية الأمن وأجهزته، كل هذا مقابل اعطاء هدنة أو بشكل صريح، وقف المقاومة ضد المحتل.
أصحاب هذا المسار يتحدثون أيضا بأن لهذا التفاهم بعدا سياسيا، وهو على المدى البعيد تغيير شكل النظام السياسي في العراق، وعلى المدى القريب تغيير الحكومة لمصلحة حكومة أكثر توازنا ولا تحمل أجندة تطهير طائفي، أي حكومة بقيادة شيعية وطنية، ويرى هؤلاء أن الإدارة الأميركية بدأت تشعر بتمرد من الحكومة العراقية وتخشى من الانحياز العسكري والشعبي من الحكومة والميليشيات التي تدعمها لجهة إيران، فيما لو حدثت مواجهة عسكرية بين إيران وأميركا.
المفارقة المضحكة أن أميركا لم تقدم لهذا المشروع الذي يحمل اسم "مشروع تسليح العشائر" سوى السماح لهذه القوى بحمل سلاحها والدفاع عن نفسها في مواجهة الميليشيات والقوى الأمنية المخترقة، ولا تقدم أميركا إلا رواتب لا تتجاوز 300 دولار لنسبة قليلة من هذه المجموعات المسلحة، أما التجهيزات والأسلحة والطعام والنقل فكلها على حساب هذه المجموعات المسلحة.
هذا المشروع له مؤيدون ومعارضون داخل الجسم السني العراقي، لكن العبرة بأن هذه الطريقة من التفكير والاولويات التي تغيرت لدى هذه المجموعات المقاومة والعشائر، هي من نتائج الاحتلال، فالإدارة الأميركية اقنعت القوى السنية والشيعية والكردية بأنها هي الخيار الوحيد لهذه القوى لمواجهة النظام العراقي السابق. ووقفت كل هذه القوى في خندق جيش الاحتلال، فأعطته الشرعية على قدر حجمها، وكل هذا مقابل مكاسب ونفوذ، فيما كانت إيران الأكثر تنظيما هي وحلفاؤها، تتم بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وحتى بعض الوزارات لتكون بؤر نفوذ وليست مؤسسات دولة، وكل هذا استفاد منه الاحتلال في المراحل السابقة، لكنه الآن بدأ يشعر أن الحكومة ومَن خلفها بدأت تستقوي عليه وتمارس تجارب التمرد، فلجأ إلى الاستقواء ببعض القوى السنية العسكرية التي تضررت من سياسة أميركا التي صنعت نفوذ الميليشيات الطائفية، وما تحاول فعله أميركا الآن هو بناء معادلة جديدة تحقق له الأهداف الهامة ومنها: مواجهة نفوذ الميليشيات الشيعية، ضرب القاعدة وإضعاف وجودها في مناطق السنّة، ثم التلويح للحكومة العراقية التي تفكر بالتمرد بأن لديه ورقة سنية مسلحة، واخيرا وقف الأعمال العسكرية ثم ضد الاحتلال.
إنها معادلات تصنعها أميركا، تغير فيها أدواتها عبر تفاهمات تفرضها مصالحها في كل مرحلة، فمن أعطوا الشرعية لدبابات الاحتلال عندما دخلت بغداد لم يكونوا حلفاء لاميركا بل أدوات، ومن يعتقدون الآن أنه لا طريق لمواجهة عمليات التطهير الطائفي إلا بالتفاهم مع إدارة الاحتلال، وصلوا إلى هذه القناعات نتيجة واقع صنعه الاحتلال، وهم ليسوا حلفاء لأميركا بل جزء من أدواتها في هذه المرحلة.
كل ما نراه الآن وما رأيناه، هو نتيجة طبيعية لمنطق مختل تبنته قوى عراقية من كل الأعراق والطوائف عندما رضيت أن يكون طريقها للتغيير بالاستقواء بالمحتل وأجندته الاستعمارية، القائمة على عقيدة صهيونية آمن بها المحافظون الجدد وتجار النفط والسلاح.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة