لعل من تجارب الأردنيين مع الجهات الحكومية وحتى القطاع الخاص أنّ كثيراً من القضايا والحاجات لا يتم حسمها ولا حلها إلاّ من صاحب القرار الأول في المؤسسة او الوزارة، ولهذا يتجه دائما المواطن إلى الوزير او الأمين العام، ولو تيسر له أن يصل الى رئيس الوزراء لفعل، وهذا يعبر عن رغبة في اختصار الاجراءات وتجاوز المماطلة التي تظهر في حل المشكلات.

 

المواطن يطمئن اذا وصلت قضيته إلى المسؤول الأول، طبعا المنطق الإداري يقول: إنّ اي وزير او مدير عام لا يمكنه متابعة كل القضايا التفصيلية، لكن أيضا من حق المواطن أن يجد حلولا لمشاكله، ومن حق الناس ان تشعر بالظلم اذا رأت مسؤولا يقابلهم بالاعتذار عن الاستقبال بمبرر الانشغال والاجتماعات، لكن كل هذه الأعذار تختفي اذا جاء من له معرفة او علاقة او واسطة، فما دام المسؤول لديه الوقت فإنه من حق الجميع.
والمضحك ان الاختباء وعدم الرد على الهواتف لا يقتصر على المسؤول، بل يمتد الى السكرتيرات ومديري المكاتب الذين من الصعب الوصول اليهم بالهاتف الا اذا كان "معرفة"، فقبل التحويل يتم السؤال عن الاسم، واذا كان المواطن لحوحا ومثابرا واستطاع الوصول الى المسؤول الاول او الى السكرتيرة فإنّ الحل هو ان يطلب منه ان يكتب استدعاء يعرض فيه قضيته، وفي كثير من الأحيان يتم تحويل الورقة إلى الموظف المعني حتى من دون قراءتها رغم ان هذا الموظف قد يكون هو المشكلة.

 

هذا الموضوع يندرج تحت عنوان "التواصل بين المواطن والمسؤول". ومع التقدير لانشغالات اصحاب المسؤولية والاجتماعات الا انه من الواجب اعطاء مساحة من الوقت للمواطن، وهذا ما يفعله وفعله بعض الوزراء والمديرين من خلال تخصيص ساعات او ايام لاستقبال المواطنين، واحيانا تكون الرسالة المكتوبة جزءا من التواصل، لكن كل هذا بشرط ان تكون اشكال التواصل مجدية ومفيدة للمواطن، اي تحمل حلولا او على الاقل جدية في المتابعة. فالمواطن الذي يقدم ورقة للمسؤول يفترض ان يأتي الجواب النافع وان تصله النتيجة التي تعبر عن الاهتمام.

 

جزء من واجبات المسؤول حل مشكلات الناس؛ إما عبر الذهاب اليهم في مدنهم وقراهم او على الاقل في مديريات الوزارات في المحافظات، او بفتح الابواب امام الناس سواء عبر مواعيد معلنة او بعدم رد صاحب حاجة. واتذكر يوما في مكتب احد الوزراء في حكومة سابقة أن شيخا كبيرا في السن استطاع أن ينفذ من كل الموانع ووصل إلى مدير مكتب الوزير، وكان قادما من محافظة بعيدة تبعد عن عمان مئات الكيلومترات، وطبعا من الواضح انه جاء بالباص رغم كبر السن والشعر واللحية البيضاء، ومثل هذا المواطن لا يعلم مواعيد الوزير ولا ارتباطاته، ولو حاول ان يتصل بالهاتف ليأخذ موعدا فلن يصل حتى الى مراسل في مكتب الوزير، وتلك الحادثة كان الوزير فيها في مكتبه، لكن هذا الشيخ الكبير لم ينجح حتى في الحديث المتواصل مع مدير المكتب!
هنالك مسؤولون يفتحون ابواب مكاتبهم للناس ويستمعون الى مشكلاتهم وحاجاتهم ومطالبهم، لكن هذا يبدو متروكا لكل مسؤول ان يفعل او لا يفعل. فمن يضمن للمواطن حقه في ايصال صوته والبحث عن حلول لمشكلاته ولصاحب قرار يحسم ما لا يستطيع فعله الموظف العادي؟!

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية