في المصطلحات الشعبية مقولة قديمة فحواها "الحكومة تعرف كل شيء". لكن أحدنا يُصاب بالغيرة على وطنه حين يكتشف أنّ الحكومات تمر عليها سنوات بل عشرات السنين دون ان تعرف ليس كل شيء، بل ما يجب تجاه القضايا الاساسية، ولهذا نجد اننا ندور في حلقات مفرغة في ادارة بعض الامور.
سأبدأ بمثال بسيط وقريب؛ فالحكومة اعلنت انها على وشك الانتهاء من دراسة لزراعة مساحات واسعة من اراضي الخزينة بالشعير والاعلاف باستخدام المياه العادمة، وذلك في سياق حل مشكلة الاعلاف، واي مواطن ينظر الى الفكرة يجدها سهلة، فأراضي الدولة موجودة، والمياه العادمة لا يتم استيرادها، وفكرة الزراعة موجودة من آلاف السنين، فكيف تعرف الحكومة كل شيء، وهي تكتشف اليوم أن هنالك انحسارا كبيرا في مساحات الاراضي المزروعة بهذه المنتجات!
هل تعرف الحكومة كل شيء وهي لا تعلم ان رفع الدعم عن الابقار سيؤدي إلى الإضرار بالناس عبر ما جرى من ارتفاعات جديدة على اسعار مشتقات الالبان، ونراها الآن تتحدث عن (آلية) أي طريقة لحماية المواطن من هذه الارتفاعات!
الحكومة تقول، الآن، أن تجارا هم الذين استفادوا من نسبة من دعم الحكومة للأعلاف وليس مربي الماشية الفقير، وهذا كلام سليم، لكننا نسمعه منذ عهد حكومات سابقة، ومع هذا لم نجد حلا يمكن ان يحرم التاجر من الاستغلال ويحمي صغار مربي الماشية ويمنع ارتفاع الاسعار عن الناس.
"الحكومة لا تعرف كل شيء"؛ او لنقل لا تمارس ما يجب، لأننا منذ بدء برنامج التصحيح الاقتصادي، قبل سنوات طويلة، ونحن نسمع عن برامج الحكومات لبناء شبكة امان اجتماعي، وما زلنا نسمع عن هذا حتى قبل يومين على لسان الرئيس. وما دمنا نتحدث، حتى الآن، عن الشبكة؛ فهذا يعني انها لم تتم الا اذا كان لكل حكومة شبكة امان تتحدث عنها، او تلهي المواطنين بالحديث عنها.
"الحكومات لا تعرف كل شيء"؛ ولو كانت تعرف لما كان لدينا في عام 2007، بعد (90) حكومة، مناطق تفتقد حتى لأساسيات الخدمات، او قرى منسية.
ولو كانت الحكومات تعرف كل شيء لما استطاع اصحاب الثروات التهرب من دفع الضرائب بمبالغ وصلت قبل سنوات الى مئات الملايين من الدنانير، او استطاع البعض ان يفرضوا محاسيبهم على الالقاب والمواقع وعلى الشعب ينتقلون من موقع الى آخر، ومن لقب الى آخر، ليس لشيء الا لأنهم من جماعة فلان او العائلة الفلانية او ضمن منظومة علاقات علان.
صحيح أن هنالك انجازات كبيرة عبر عمر الدولة، لكن هنالك الكثير من الملفات والقضايا التي لو كانت الحكومات تعرف فيها ليس كل شيء، بل واجبها، لكان الكثير من المشكلات غير موجود او على الأقل ذا تأثير قليل. فالقضية ليست كيس الاعلاف لمربي الماشية او سعر علبة اللبنة واللبن او ارتفاع سعر البندورة او الملفوف، بل في ذلك المسار الذي يكون فيه المسؤول حريصا على إنصاف الاردنيين وتأمين ادارة سليمة مثلما يحرص احدنا على مستقبل ابنه او ادارة امواله، وأن يفكر المسؤول لأكثر من عمر وجوده في الموقع.
لو كانت الحكومة تعرف كل شيء لعرفت ان فلاناً ليس كفؤا لإدارة موارد الدولة، وعلاّناً لم يقدم شيئا سوى حضور الاجتماعات، وأن الخطط والبرامج - احيانا- امر نظري..
إن لم تكن تعرف الحكومات هذه الحقائق، فهذه مشكلة كبرى، أمّا إن عرفت وساهمت في ذلك، فالكارثة حقيقية.
الذي أوصل الأمور إلى أن يكون سعر علبة اللبنة قضية كبرى ليس زيادة سعر الحليب، بل غياب مسار حقيقي في إدارة الموارد وبناء حلول لقضايانا ومشكلاتنا.
بقي القول؛ إننا لو طبقنا نسبة مما كتبنا وتحدثنا عنه من خطط واستراتيجيات وعشرات آلاف من الأوراق، ولو تمت محاسبة من كتبوا كل هذا لغايات تضييع الوقت وصناعة وهْم الانجاز دون ان يفكروا في تطبيقها.. لكان الامر غير ما هو عليه اليوم!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة