سأعود اليوم إلى بعض العبارات، التي وردت في حديث الملك إلى مجلس الوزراء مساء الثلاثاء الماضي، ليس لغايات الاشادة فقط، التي لا يفضلها الملك، بل لأن هذه العبارات وصلت الى الناس وتم تداولها في مجالس الاردنيين لأنها لغة يفضلها الناس، وتعبر عن حزم مطلوب.
الصحف تحدثت امس بافتتاحيات او عناوين بارزة عما قاله الملك للوزراء: من لا يستطيع العمل بجدية فليستقل، وهذا القول يعني ان على الوزير والمسؤول ان يبتعد عن اغراق الناس "بالحكي" والتنظير والخطط الشكلية. فالبعض يفضل الكلام لأنه لا يحتاج الى قدرات كبيرة، بينما العمل صعب لأنه يحتاج الى كفاءة وعلم وتعب، والاهم ان ما جاء به الى الموقع هو قدرته وليس شيئا او اشياء اخرى.
طبعا لا يتوقع من المسؤولين والوزراء ان يستقيل احدهم لأنه لن يعمل بجد، ولن يؤدي واجبه، فأحدهم انتظر سنين حتى اصبح وزيرا، فليس من المعقول ان يترك هذا المكان ارضاءً لقناعة بأنه يعمل او لا يعمل بجد، لكن الناس تعلم انه ليس كل الوزراء او المسؤولين يعملون بجد، ولو كان واقع الحال ان الوزير يعمل بنسبة 70% من الجدة والانجاز لكانت الحال غير الحال.
الناس تعلم لو أنّ كلّ وزير عمل كما يجب لما احتاج الامر الى تدخل الملك لحماية الناس من غلاء اسعار اللبن والبندورة ومن جشع بعض فئات التجار، لكن ما تقوله الناس في مجالسها ان حديث الملك للوزراء ووضعهم بين خياري العمل الجاد او الاستقالة، اشارة لا تقبل التأويل ان هنالك من لا يعمل بجد، وان من المسؤولين من يكتفي "بالحكي" دون العمل الجاد الذي يتناسب مع مجيء الشخص من بيته وزيرا له صلاحيات.
لن يستقيل احد لقناعته انه لا يعمل بجد، فهي حالات نادرة حتى عندما يعترف المسؤول بمسؤوليته عن ازمة، وغالبا ما تكون إقالة لكنها تخرج على الإعلام باعتبارها "استقالة",
حديث الملك ليس معيارا فقط للوزراء الحاليين، بل لكل حكومة قادمة؛ فهل يطمع الاردني ان لا يأتي الى موقع المسؤولية الا من كان قادرا على العمل بجد؟ والا يحمل الالقاب الا صاحب الكفاءة التي تنفع الناس، طبعا لن يصل الحلم الاردني ان يقرر المسؤول ترك موقعه ارضاءً لضميره اذا كان غير قادر على العمل.
جملة في كلام الملك يفترض ان تتذكرها الحكومة؛ وهي ان يشعر المواطن أن الحكومة تحميه، والحماية ليست شرطة وجيشا، بل ان يشعر المواطن ان سلطة الدولة قادرة على حمايته من الظلم والجشع وسوء الادارة، واذا كان الامر خاصا بالأسعار فقدرة الحكومة على حماية المواطن هي بامتلاكها صلاحيات لضبط السوق، وليست الصلاحيات الحالية التي تعطي لكل لجان الرقابة حق مخالفة التاجر اذا لم يعلن السعر بصرف النظر ان كان السعر مرتفعا او فيه استغلال.
التحدي الحقيقي هو استعادة الحكومات هيبتها التي ضعفت في بعض الجوانب. فالحكومة لا تحمي الناس حين تلجأ الى الطلب من جمعية حماية المستهلك حض الناس على مقاطعة السلع المرتفعة. الناس سمعت الرئيس وهو يتحدث للملك أن رفع اسعار اللبن ومشتقاته ليس له مبرر لأن الابقار تأكل البرسيم وليس الشعير، وان قيام المزارع برفع سعر الحليب ليس له سبب، ثم يسكت ويناشد اصحاب المصانع تخفيض الاسعار باعتباره "كرماً" على الحكومة والمواطن، فهذه السياسة لا تحمي الناس ولا تشعرهم بالاطمئنان!
حلم الاردني ان تكون حكوماته قوية ببرامجها وطواقمها، لتكون قادرة على حماية الاردنيين، وهو حلم مشروع فالأمر لا يحتاج الا الى الالتزام بالدستور والصلاحيات الممنوحة للحكومات.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية