سيدة اردنية مهاجرة منذ سنوات طويلة الى استراليا اتصلت بي تتحدث بغيرة وحرص على المجتمع الاردني، وتقول انها تصاب بالدهشة وهي تتابع اخباره عبر قراءتها للصحف وبعض المواقع الالكترونية!
السيدة تتحدث عن قضية ربما نمرّ عليها بسرعة وهي ما نقرؤه من اخبار عن اطفال ابرياء بأعمار قد لا تصل الى يوم احيانا، يتم العثور عليهم اما في الشارع او امام حاوية او في ساحة المسجد، وربما ملفتٌ للانتباه ان عدة حوادث في العثور على هؤلاء الابرياء ظهرت في وقت قصير. ففي عدد "الغد" الاثنين الماضي خبر تضمن حديثا عن العثور على طفلين لقيطين، الأول بنت بريئة ألقتها امها في ساحة مسجد في جبل الحسين، وطفل ذكر عثر عليه المارة خلف الجامعة الاردنية، وهاتان الحادثتان جاءتا بعد ايام من إنقاذ احد عمال امانة عمان طفلة رضيعة كانت موضوعة في صندوق كان على وشك إلقائه في كابسة.
وخلف كل قصة طفل لقيط هنالك خطيئة وعلاقة غير شرعية تمت بين رجل وامرأة، وهذه الخطايا موجودة في كل المجتمعات، لكنها تتحول الى جرائم مركبة حين تكون احدى الفصول طفلا بريئا تحمله امه التي كانت جزءاً من الخطيئة وأرادت ان تغطي على فعلتها برمي طفل لا يزيد عمره عن ساعات او يوم في شارع او ساحة مسجد او حاوية قمامة، ترفض هي وشريكها تحمل مسؤولية ما فعلا، لكنها تُحمّل مولودا رضيعا عبء جريمة لم يرتكبها، فتتركه في الشارع او الحاوية، اما ليواجه الموت فيكون القتل العمد جريمة بعد جريمة الزنا، او ليواجه حياة قاسية يعيش فيها وحيدا بلا هوية او عائلة او نسب، وحتى لو وجد الرعاية والاهتمام في دور الرعاية او لدى عائلة تتبناه فإن جزءاً من جريمة امه وأبيه يبقى يلاحقه طوال حياته في مجتمعات لا تخلو من القسوة.
وحتى لو احسن احدهم الدراسة والعمل وشق طريقه بنجاح فإنه سيجد امامه ثمنا مؤجلا لجريمة امه وابيه. فلو طلب بنتا للزواج فسيسمع ممن يوجه اليهم قولا مؤذيا بأنه بلا نسب ولا عائلة ولا اصل، وسيحمل على كتفه وزر جريمة لم يرتكبها، بل ربما يكون ابوه العابث او امه يعيش كل منهما حياته بشكل عادي، ومهما كان لدى اي منهما حزن على الطفل الرضيع فإنه حزن يتلاشى امام قسوة إلقائه في شارع او حاوية او حتى ساحة مسجد، ومهما سقطت دموع من عيون الأم إلا انها لا تعادل قسوة الحياة والمجتمع.
وزارة التنمية الاجتماعية استقبلت منذ بداية هذا العام (23) طفلا لقيطا في مؤسسات الرعاية لديها، وسواء كان هذا الرقم حقيقيا ام أن هنالك حالات أكثر، فإن العبرة تبقى في التشريعات التي لا تقدم فقط الرعاية للطفل البريء بل ايضا تعاقب الاب والام اللذين يرتكبان هذه الجريمة. ولا أقصد هنا جريمة الزنا فقط، بل الجريمة المركبة، فماذا لو ان الجهات الرسمية ألقت القبض على ام او اب من هذه الفئة الذي ألقى رضيعا في الشارع، فما هي العقوبة المستحقة؟ وهل تصل الى مرحلة الاتهام بالاهمال والقتل العمد؟ وهل من يرمي رضيعا عمره ساعات في صندوق في حاوية، او يضعه في شارع يضمن له الحياة ام يضعه امام احتمالات الموت؟
في زمن انتشرت فيه كل اسباب الغواية وفتحت ابواب العلاقات غير الشرعية، وفي زمن اصبح فيه العبث يحاول التستر وراء اسماء وهمية للزواج، مثل العرفي والمسيار وغيرها من اشكال التحايل على الشريعة، في هذا الزمن يفترض ان تكون التشريعات قادرة على التعامل مع تزايد الضحايا.
وإلى جانب التشريعات فإن الجهات الرسمية او منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الانسان وحقوق الطفل مطالبة بأن تعطي لهؤلاء الاطفال الابرياء الضحايا مساحة من الاهتمام ليس فقط، بعد ان يتحولوا الى لقطاء او يتم العثور عليهم في الشوارع بل قبل هذا، واذا نجحنا ان نجعلهم يعيشون مع اسرتهم الحقيقية او مع نصفها على الأقل، فالأمر خير من ان نُحمّله طوال حياته ثمن جريمة اب وام، وأن يكون ضحية للحظة متعة شيطانية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة