عبارة معبرة سمعتها قبل فترة من الأستاذ طارق مصاروة في نقاش حول الوضع الاقتصادي قائلا: "إن بعض فئات مجتمعنا لا تنتمي الى بيئتها، وبعضها لا ينتمي الى فقرها". وهذا يلخص بعض حالة التناقض الذي يعيشه بعضنا بين ما يأتيه من موارد وبين ما ينفقه، ليس الإنفاق على أساسيات الحياة بل عن الترف والاستهلاك الذي لا ضرورة له.
نقول هذا لا لنحمل الناس المسؤولية، فقد أصبح من البديهيات أن السياسات الاقتصادية والقرارات الحكومية والوضع الاقتصادي العام واستغلال بعض التجار، كل هذا وغيره صنع معاناة للناس، وهذه مواضيع سبق أن قيل وكتب عنها الكثير، لكن جزءا من الحكاية لدى بعضنا يرتبط بعدم قدرة هذا البعض على الانتماء لنفسه وقدراته.
طبعا من حق كل صاحب مال أن يستمتع بماله. لكن المشكلة عندما لا ينتمي البعض لدخله وراتبه أو لفقره، وليس سلوكا منتظما أن يشكو أحدنا قلة الحالة وارتفاع الأسعار، وأن الراتب لا يكفي لنصف الشهر بينما في الأسرة يدخن الأب والشباب من الأبناء وينفقون كل يوم ثمن عدة (باكيتات) من السجائر، ومجموع هذا المبلغ شهريا قد يصل الى 10 او20% من دخل الأسرة، طبعا نعلم جميعا أن الدخان بلاء، وأنه يتحول الى إدمان، لكن إذا كان أحدنا منتميا لأولوياته وضرورات حياته، فإن ثمن الدخان قد يحسن مستوى المعيشة، وما ينفقه رجال العائلة في يومين أو ثلاثة قد يكون أكثر من زيادة على الراتب تقدمها الحكومة ويبقى الجميع يتحدث عنها شهورا قبل أن تأتي.
ولعل من الأمراض التي أصابت مجتمعنا مرض الخليوي، فالأردنيون يتحدثون بحوالي (800) مليون دينار سنويا، أي أكثر من مليار دولار، وإذا تجاوزنا المقتدرين، فإن المشكلة تزداد عند من لا يستطيع، وسواء كان الناس يتحدثون بنظام الاشتراكات أو البطاقات فإن في كل عائلاتنا أعدادا كبيرة من الأجهزة في جيوب وحقائب، وعلى (خصر) الرجال والأولاد والبنات والنساء، وبعض العائلات دخلها مثلا (300) أو (500) دينار لكن مجموع ما تنفقه ثمنا (للحكي) قد يصل الى (70) أو حتى (100) دينار.
الحكاية ليست خاصة بمجموعة قليلة، لكن الداء واسع، فقبل أيام نشرت "الغد" خبرا يقول إن مستوردات الأردن خلال سبعة أشهر من الأجهزة الخليوية بلغت (103) ملايين دينار أي حوالي (150) مليون دولار، طبعا الاستيراد يتم بالدولار واليورو، ونفهم أن من مستخدمي هذه الأجهزة شركات ووافدين، لكننا أيضا كمواطنين لنا حصة كبيرة من هذه الأجهزة، وكل منا يعلم في محيطه العائلي أو أصدقائه أن عمليات تبديل الأجهزة تتم بصورة دورية، ليس بحثا عن خصائص لتسيير أعمال الشركات أو لاستعمال التكنولوجيا، بل لاستقبال النغمات والأغنيات.
ليست القضية في استعمال (الخليوي)، بل هو مثال فقط على عدم انتماء بعض فئات مجتمعنا لأحوالها، وكما إن فئات من أصحاب المال يمارسون الترف والبذخ وأنماطا استهلاكية مرفوضة فإن فئات من أصحاب الدخل المحدود في الطبقتين الفقيرة والمتوسطة يمارسون ذات الأمر، لكن كل حسب إمكاناته.
التذمر لا يعني أن هناك مشكلة. فبعض الأثرياء وأصحاب الأعمال يمارسون الشكوى وندب الحظ والتذمر من تردي الأوضاع ليس لأنهم خسروا أو لم يزكوا، بل هو سلوك أحيانا، وأحيانا لأن الربح لم يكن كما يريدون، وبعض أصحاب الدخل المحدود يمارسون الشكوى لكنهم أيضا يضيفون الى الأعباء التي يفرضها الوضع العام أعباء من صنع أيديهم!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة