ربما على من يسميهم الإعلام بالمعتدلين داخل قيادة الحركة الاسلامية ان يتوقفوا طويلا عند دلالات معظم التحليلات التي ناقشت تركيبة ما خرج من قائمة الحركة للانتخابات النيابية، فالكثير من هذه التحليلات تحدث عن فكرة واحدة بتعابير مختلفة، والفكرة ان المعتدلين استجابوا لرسائل او ضغوطات الحكومة وفهموا ما وصلهم من مطالب بحيث انعكست هذه الاستجابة على الأسماء في قائمة المرشحين الذين جاءوا، كما تقول الصحف والتحليلات، من معسكر (العقلاء) والمعتدلين وعلى حساب استبعاد المصنفين بالمتشددين.
ما يجب أن يتوقف عنده تيار المعتدلين أنّ هذه التحليلات تحمل إساءة كبيرة لهم، وتقدمهم باعتبارهم الطرف الذي خضع للضغوطات الرسمية، او على الاقل انه استثمر المحاذير والتخوفات التي كانت تطرح اذا ما استمر الخطاب والنهج الذي كانت ترفضه الحكومة، وان هذا الاستثمار تم بصورة استقواء بخطاب الحكومة ومطالبها لتحقيق انتصار ولو مرحلي على نهج التشدد والتصعيد.
على تيار من يسميهم الإعلام بالمعتدلين ان ينتبه إلى أنّ كثرة الضخ الإعلامي والسياسي حول انتصارهم وعودة الحركة الى مسارها وتحجيم الاخرين تترك اثارا سلبية على صورتهم، وتقدمهم ليس باعتبارهم تيار اعتدال وحفاظ على المسار التاريخي للحركة، بل على قاعدة الاصطفاف الذي يضعهم مع الحكومة في خندق في مواجهة الطرف والتيار الاخر داخل الحركة.
والتحليلات التي تابعها الكثيرون في وسائل الاعلام الداخلية والخارجية ذهبت الى القول ان نجاح من تسميهم بالمعتدلين في فرض تصوراتهم في قائمة المرشحين هو بداية لانهاء الازمة مع الحكومة او بشكل عام مع (الدولة)، وهذا التحليل قد يكون سليما ومتكاملا بشرطين؛ الاول ان قائمة المرشحين تمثل انتصارا بالضربة القاضية للمعتدلين، والثاني ان يتبع الانتخابات حوار جاد يصل الى معالجة جوهر المشكلة وجذرها.
واختبار هذين الشرطين امر يحتاج الى وقت، لكن ما يمكن قوله ان البديهيات تقول ان تركيبة قيادة الجماعة لم تتغير، وان بعض التحليلات اعتقدت ان قائمة المرشحين هي قيادة جديدة، وربما لا يكون موضوع الانتخابات اكثر من محطة سياسية داخل الجماعة، وربما ارادها من يسميهم الاعلام بالتيار المتشدد واقيا وحاميا من تحليلات لمواقف حكومية متوقعة، لهذا ربما تحتاج بعض التحليلات الا تذهب بعيدا في اعطاء اوزان غير حقيقية للأحداث.
واذا قبلنا بالمنطق التحليلي أن مضمون قائمة المرشحين جاء نتيجة صراع بين تيارين داخل الحركة فإن هذا المنطق يقول ان الصراع سيستمر وان ساحته القادمة ستكون المعركة الانتخابية وحماس التنظيم للعمل، فمن يفرح لأنه انتصر في حسم اسماء المرشحين عليه الا ينسى انه يفتح الباب امام استمرار الصراع منذ اليوم وحتى اعلان النتائج، وهذا ما يجب على بعض القيادات التي تصنف بالاعتدال ان تنتبه اليه، لأن العديد من الاخبار والتسريبات والتحليلات التي يقرأها الناس في الصحف مصدرها من داخل الحركة ومن كل التيارات، وهذا ليس تحليلا جديدا فالجميع يعلمون هذا، بل ان الخبير يعرف مصدر كل تحليل او خبر او تسريبة، لكن من يمارسون التسريب يعتقدون انهم يخضِعون الاعلام لمصالحهم بينما الامر عكس ذلك، فهم يقعون فريسة ويقدمون انفسهم قربانا للإعلام، والتسريبات والاخبار والتحليلات التي تأتي من داخل التيارات المتنافسة تؤجج الاشتباك الداخلي وتنقل تفاصيله الى الخارج، حتى وان اعتقد البعض انه ذكي عندما يعتقد ان نسبة الخبر الى مصدر رفض الكشف عن نفسه يجنب الجماعة الخسائر!
رغم القراءة الايجابية من بعض الصحف لمضمون قائمة المرشحين على انه عودة من الجماعة الى مسارها التاريخي الا ان على القيادات بكل اصنافها ان تدرك ان نقلها لقضاياها الداخلية الى الاعلام سواء فرحا بانتصار مرحلي او تنفيس عن غضب من مهزوم مرحلي، هذا النقل جعل الإعلام سلاحا داخليا وأفقد الجماعة بعض هيبتها، وبأيدي بعض قياداتها او اتباعهم تم اختراق اسوار الجماعة والحزب بحيث اصبحت تفاصيل الاجتماعات واللقاءات إما اخبارا واضحة او تقارير او تسريبات، ولئن شعر البعض انه استفاد من نشر خبر فإن الضرر لحق بالجماعة.
اخيرا فإذا استمرت عمليات ادارة ملف المرشحين بهذه الطريقة ووفق هذه التحليلات فإن هذا مؤشر ليس على انتصار طرف، بل على صور جديدة من التنافس او الصراع الداخلي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة