مع نهاية شهر رمضان المبارك ربما يكون مناسباً التوقف عند أبرز البرنامج الرمضاني العملي للملك. وسأتجاوز البرنامج السياسي الخارجي واللقاءات الى بعض الزيارات والاهتمامات المحلية. وهنا لن نتحدث بلغة المديح والمجاملة والاستغراق في الانشاء والبلاغة لسببين؛ الاول أن الملك لا يحب المدائح الذي يصل في بعض مراحله وأشكاله الى نفاق، والثاني أن لغة المدائح التي تتجاوز الواقع وتحول القضايا الى قصائد هي اسوأ انواع الخدمة التي يقدمها الإعلام لصاحب القرار، وهي نوع رديء من الإعلام، الذي لا يصدقه الناس ولا حتى من تكتب به القصائد.
ولعل كثافة البرنامج الرمضاني للملك يجعل البعض لا يتوقف عند عنوان معظم النشاطات الرمضانية وبوصلتها التي تذهب باتجاه المواطن. فالرسالة التي يمكن أن نجدها دائماً هي متابعة التفاصيل، ومتابعة التنفيذ، وهذا الأسلوب في العمل يزعج الموظف والمدير والوزير والذين اعتادوا جميعاً على التوجيهات العامة ثم يراهنون على المماطلة لتضييع الوقت.
لدي مثالان من البرنامج الرمضاني جسدتهما زيارتا الملك الى لواء القويرة ومحافظة جرش. ملخص زيارة القويرة يقول إنها تضمنت تدشين عدد من المشاريع التعليمية والصحية والتنموية التي تخفف معاناة الناس وتطور مستوى حياتهم، وفيها ايضاً افتتاح الملك لمدرسة نموذجية وبناء منازل لفقراء من المنطقة ومركز ريادي للشباب وتوسعة عدد من المراكز الصحية وعمليات صيانة للعديد من المرافق والطرق، وهذه المشاريع تمت بعد زيارة سابقة للملك الى هذه المنطقة التي يسكنها (17) ألف أردني.
وفي جرش تقول تفاصيل الزيارة إنه تم افتتاح عدد من المشروعات التعليمية والصحية والتنموية. هذه المشاريع كانت محصلة الزيارة الأولى، أما الثانية فهي لافتتاح المشاريع، لكن قد يكون الأهم تشكيل لجنة من ابناء المحافظة لتحديد احتياجاتها ووضعها ضمن سلم أولويات، ليصار الى دراستها وتنفيذها، أي الانتقال من مرحلة الشكوى والطلبات العامة الى التفكير العلمي والجداول الواضحة.
وسأعود من هذين المثالين الى منهجية التفكير والأسلوب العملي في السعي لتحقيق شيء على الارض. طبعاً زيارة ملكية لن تحل مشاكل المحافظة أو اللواء، لكن الزيارات التنموية التي تضع أهدافاً لتحقيقها عبر إنجاز مشاريع محددة ومفيدة، مثل هذه الزيارات تصنع حالة من تراكم الإنجاز، أو على الاقل تنهي إهمالاً ومشكلات صنعتها عشرات السنين.
على البرنامج كان هناك زيارات ذات طابع انساني، أو لنقل تنموي، لكن لفئات اجتماعية خاصة مثل الأيتام.. والمكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين. ولعل ما يلفت الانتباه أن قطاعاً مثل المكفوفين، يصل عددهم الى عشرات الآلاف أو يزيد، ليس لهم في الاردن الا مدرسة واحدة، وهي في وضع غير مناسب! ولا ندري أين وزارة التنمية الاجتماعية وخططها واستراتيجياتها؟! وأين وزارة التربية وأين الجهات الراعية لذوي الاحتياجات الخاصة من هذا الوضع السلبي، فمدرسة واحدة حتى لو كانت بأعلى المواصفات لا يمكنها أن تقدم الخدمة لكل المكفوفين في كل المحافظات، ومهما قدمت من خدمة السكن الداخلي، فهل تشمل كل من يحتاجون خدمتها!
الزيارة الملكية انجزت أمراً بإجراء صيانة وتوفير خمس حافلات، لكن المهم هو أمر الملك ببناء مقر جديد لمدرسة نموذجية تكون مركزاً تدريبياً لمعلمي هذه الفئة. أما الأهم فهو رسالة الى الجهات الرسمية والأهلية المعنية بهذا القطاع لتقوم بدورها وواجبها، وأن تفكر بإقامة مدارس اخرى على الاقل في الاقاليم الثلاثة الوسط والجنوب والشمال، لتكون الخطوة الاولى حتى نصل الى ما هو افضل.
ليس متاحاً في هذه المساحة أن نتوقف عند تفاصيل البرنامج الرمضاني، لكنها امثلة تشير الى ان هذا البرنامج يحمل رسالة لهذه الفئات، أن قضاياها وهمومها أولوية.
والبرنامج تكريس لنهج المتابعة التفصيلية، فالأيتام والمكفوفون والمسنون وذوو الاحتياجات الخاصة لم تعد فئات تحتاج الى مسح على رؤوسها، بل الى برنامج حقيقي لخدمتها، والتنمية في المحافظات أو البادية ببرنامج خدمات تراكمي، وحين يكون رأس الدولة مطلعاً ومتابعاً لأدق التفاصيل فهذا يعني أن أي مسؤول حكومي لن يكون قادراً على الهروب من مسؤولياته بالحديث العام غير المجدي أو الذي يكون أشبه بالقنابل الدخانية لتغطية التقصير.
التواصل مع المحافظات والجيش والفعاليات السياسية والشعبية وأصحاب المعاناة من كل الفئات.. بمثابة رابط واحد يتمثل برغبة الملك أن يعلم الناس أن كل همومهم على جدوله واهتماماته.
كنا نتمنى أن تكون للحكومات والوزراء برامج مكثفة وتواصل واقتراب من القضايا الحياتية، فهنالك الكثير من المجالات والمؤسسات التي لن نسمع عنها الا بعد زيارة ملكية، وتقصير لن يدفع لإزالته الا توجيه ملكي.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية