قصص الفشل كثيرة، وأكثر منها اولئك المغامرون الذين يفشلون بمحض إراداتهم أو بمحض صدف ومتغيرات وحسابات غير دقيقة واعتبارات طارئة وغير محسوبة.. وفي كل الحالات يتحول الفشل إلى دراما ينشغل بها المتعاطفون والمتشفون على حد سواء، وينهمك في تحليلها الذين يعرفون والذين لا يعرفون، لتتحول إلى نموذج مثير ماثل في الذهن بكل ما فيه من سلبية وترسيخ لتشاؤم صار جزءا من طبعنا، كما العبوس والانفعال السريع ورؤية النصف الفارغ فقط من الكأس.
أما النجاحات، على قلتها، فإنها تكاد لا تجد من يلتفت إليها بالإشارة أو الإشادة، ربما لأنها تخلو من الإثارة المألوفة، أو لأنها تخالف الطبع الجمعي، في ترسيخها للتفاؤل والثقة والصواب.
لا أقصد، بهذا التقديم، التقليل من قيمة تحليل الإخفاق وتشريح أسبابه، لكنني أحاول تفسير دوافع وأسباب التعاطي السلبي مع النجاح، سواء بتجاهله أو بالانقضاض عليه بالتشكيك والاتهامات التي لا تستند إلى معلومة ولا تتكئ على إدراك كامل للتفاصيل. وربما كان موضوع ما أصبح يعرف في بلادنا بـ"صفقة أُمنية" مثالا واضحا لهذا التعاطي القائم على الطعن في شرعية نموذج ناجح وقانونية استثمار تأسس في وضح النهار، وعمل انطلاقا من الالتزام بالتشريعات السارية والمنظمة للاستثمار، وقدم نموذجا ناجحا وجاذبا لرأس المال الأجنبي.
كان التشكيك شاملا، وتجاوز ما ألفناه من ريبة في صدقية الحكومة ونزاهتها ليطال القطاع الخاص ويصيب مستثمرين استطاعوا تأسيس وتشغيل استثمار حقيقي يتمتع بآفاق نمو تدفع مستثمرين آخرين إلى شرائه.
وتجاوز التشكيك حدود السؤال إلى إطلاق الاتهامات التي لم نسمع أو نقرأ أي سند لها حتى الآن، فالذين شككوا والذين اتهموا، لم يكلفوا أنفسهم عناء دراسة ملف "الصفقة"، ولم يسألوا الشركة البحرينية التي تعمل في السوق الأردني بنجاح منذ سنين، عن دوافع إقدامها على شراء "أُمنية"، بل إن أحدا لم يهتم بتحليل الوضع المالي للشركة وقيمة موجوداتها وبرامج عملها ووضعها في سوق الاتصالات. وبدلا من سلوك الأسلوب العلمي والعملي في تحليل "الصفقة"، لجأ الكثيرون إلى امتطاء الشعارات في الهجوم على "من تجاوزوا حق المواطن الأردني"!
بغض النظر عن قصة "أمنية" أو غيرها، نعتقد أن من حق المواطن الأردني أن يرى في بلاده مشاريع ناجحة وأن يفخر بقدرتها على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبية التي تحتاج إلى رؤية مشاريع قائمة ناجحة أكثر من حاجتها إلى قراءة التعليقات المشككة والاستماع إلى خطب الطعن في الولاء والانتماء.. وفي النزاهة.
ندرك إغواء السؤال، ونعرف أن الشك مفتاح كل العلوم، لكننا نعرف أيضا أن الشك يختلف كثيرا عن التشكيك، وندعو لترسيخ النجاح ودعمه، ولتكن دراما الفشل مادة لتجاوزه وصناعة النجاح بدلا من تعميمها على كل حياتنا، فنحن، في أول الأمر وآخره، لسنا شعبا من الفاشلين.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف :محمد خالد عليان   جريدة الغد