حوار طويل كان بين مجموعة من الزملاء الصحافيين الاردنيين ومواطن عادي من تونس الشقيقة حول العديد من القضايا. وعندما سأله الزميل فهد الخيطان عن الديمقراطية اجاب هذا المواطن الطيب الذي لا تنقصه الثقافة بأن الديمقراطية "هي ان يستطيع الشخص الذهاب الى القضاء ليشتكي عندما يجلس ابنه خريج الجامعة عدة سنوات من دون عمل بينما زميله الذي يملك واسطة يحصل على الوظيفة بسرعة".
هذا القول يقوله الكثيرون ليس في الاردن فقط بل في كثير من بلادنا العربية، لكن الجديد في قول هذا المواطن العربي انه اختزل الديمقراطية في هذا التعريف. وهذا قول منطقي لأنّ وجود انتخابات ومجالس نيابية واحزاب لا قيمة لها ما دام هذا الشخص لا يجد من ينصفه ويعطي لابنه الحق في العمل مثلما يحصل اخر على عمل ليس لكفاءة متميزة او تقدير جامعي، بل لانه ابن فلان اوعلان.
ربما لو وسعنا دائرة تعريف الديمقراطية، على غرار ما فعل التونسي، لسمعنا تعريفا للديمقراطية مقتضاه ان حق المواطن ألا يأتي عليه مسؤول من دون ان يكون صاحب كفاءة. والاهم كما قال المواطن التونسي ان يكون للمواطن الحق في التقاضي واسترداد حقه؛ فمرحلة الشكوى والتذمر التي نمارسها جميعا لم تؤد الى اعطاء حق لصاحبه ولا حجب امتياز عمن لا يستحقه.
الديمقراطية بشكلها السياسي تذكرني بمقولة طريفة وهامة، فقبل سنوات عندما كانت النقاشات محتدمة قبل العدوان على العراق، وكان البعض ينتقد النظام العراقي السابق باعتباره غير ديمقراطي، فكان يقول الزميل محمد كعوش بانه لو كان المطرب كاظم الساهر، الرومانسي وصاحب الاغنيات العاطفية، حاكما للعراق لما كان العراق إلا على ما كان عليه. اي ان الديمقراطية ليست مشكلة شخص بل حالة سياسية واجتماعية، تحكم وجودها عوامل السياسة والامن والاقتصاد، لكن الذين كانوا يبررون العدوان بالديمقراطية اكتشفوا الان ان الديمقراطية ليست نتاجا للاحتلال ودبابات تحركها العقائد الصهيونية واطماع تجار النفط والسلاح، وان القاتل مهما برر جريمته فلن يصنع لضحيته جنة الحرية، وحتى اولئك الذين جاء بهم الاحتلال قادة للحكم الجديد فانهم صنعوا واقعا مظلما متخما بالدم والاعتقال والتضحية على اسس طائفية، وجاءوا بميليشيات صنعت موتاً وفساداً لم يشهده العراق في تاريخه السياسي الحديث.
واذا عدنا الى بلادنا ونحن مقبلون على انتخابات مجلس النواب، فإن الحديث عن الديمقراطية يفترض الا يذهب بنا يعيدا. فصناديق الانتخابات ليست هي الديمقراطية، لأن الانتخاب جزء متأخر من عملية طويلة يختلط فيها التشريع بالإرادة السياسية والممارسة اليومية منا جميعا حكاما ومحكومين.
ليس كل ما تنتجه الصناديق ديمقراطية، والمسار الرديء او القائم على السلبيات او اسس الفرز غير الموضوعية او شراء الذمم لا يعني ديمقراطية. ومن يقدم نفسه مرشحا حتى يحسّن راتبه التقاعدي او ليسافر او يصبح وجيها من دون كفاءة ويذهب الى كل الاساليب المشروعة وغير المشروعة، فمثل هذه النماذج حتى لو نجحت في ملء الصناديق بأصوات النجاح فاننا لن نكون امام افراز ديمقراطي.
والمؤسسات التي تعتبر اركانا للديمقراطية اذا استنزفها افرادها عبر اداء ضعيف وممارسات سلبية لا يمكنها ان تحمي حريات او ان تمارس رقابة على اداء الحكومات. فالمؤسسات الضعيفة لا يمكنها ان تحمي المواطن من ظلم او فساد او حتى ان تمنحه حقوقه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة