قبل ايام استمعت من الأستاذ طارق مصاروة الى حكاية استأذنته بنشرها، وهو مَنْ سمعها مِنْ صاحبها رئيس الديوان الملكي الاسبق في عهد الملك عبدالله الاول رحمه الله، تقول الحكاية:" إن الملك كان في زيارة الى لندن وعاد منها بالباخرة الى بيروت ليعود من بيروت الى عمان بالسيارة، فغادر رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي إلى بيروت لاستقبال الملك ومرافَقته في العودة، وتقاضى رئيس الديوان مياومات ليوم واحد بما فيه المبيت (5) دنانير، وعندما وصل الملك الى بيروت لم تعجبه بعض مراسم الاستقبال اللبنانية فقرر مغادرة بيروت الى عمان من دون اي استراحة، ومعه غادر الوفد الاردني، وبعد ايام تلقى رئيس الديوان رسالة من رئيس الوزراء يطلب منه إعادة الدنانير الخمسة التي تقاضاها مياومة لأن السفر لم يكن فيه مبيت، فالمغادرة والعودة تمت في اليوم نفسه".
تكفي الحكاية مضنة القول، لكنني سأضيف اليها حكاية أخرى سبق وكتبت عنها قبل اكثر من عامين، وتحمل اسم القانون رقم (41) لعام 1958، فأحد كبار الموظفين كان في مهمة رسمية في بغداد، وتصادف وجوده مع أحداث العنف والانقلاب على الملك فيصل، حيث قتل هذا الموظف رحمه الله، وأرادت الحكومة آنذاك أن تمنح تعويضا لشقيقته لكنها لم تكن تملك صلاحية، فاضطرت الحكومة آنذاك إلى إصدار قانون خاص يجعلها قادرة على صرف تعويض او مواساة لشقيقة الموظف الرفيع الذي قتل اثناء مهمة رسمية، أي أن صرف مبلغ قيمته 1000 دينار احتاج الى قانون.
تكفي الحكاية الثانية ليقارن القارئ الكريم، ويقرأ سلوك الترشيد والحفاظ على المال العام في أزمنة لم يكن فيها هدر كما هو في زمننا، فالآن كلنا نشتم الفساد، وكلنا نطالب بضبط الانفاق والترشيد، وكلنا نطالب بالحفاظ على المال العام، ولدينا مؤسسات رقابة ومتابعة عديدة لكن لدينا مثل هذه الممارسات، طبعا اشير إلى أن تلك الأزمنة لم يكن فيها أعضاءالحكومات ملائكة او بلا اخطاء او تجاوزات، لكن عندما تطالب الحكومة رئيس الديوان بإعادة خمسة دنانير لأنه لا يستحقها فهذا يعني ان هناك حالة ادارية ورقابية ادت الى هذا، وعندما لا تجد حكومة لنفسها منفذا لصرف تعويض لعائلة موظف كبير قتل اثناء مهمة رسمية وتلجأ لاصدار قانون خاص فهذا يعني ان هناك حالة ادارية تقيد الحكومة.
طبعا سمعنا عن رؤساء حكومات في الازمنة السابقة ماتوا وليسوا اصحاب فلل وقصور، ولا حتى بيوت مملوكة لهم، وسمعنا عن قادة في الدولة خدموا عشرات السنين ولم يصبحوا من اصحاب البزنس والملايين، وسمعنا في أزمنة لاحقة عمن تحولوا الى ملاّك قصور وفلل فخمة بمئات الالاف او بالملايين من دون الحاجة الى قانون او حتى قرار، ونسمع من البعض حكايات عن فقر آبائهم ومعاناتهم في الطفولة لكننا لا نسمع منهم تفسيرا لما هم عليه الآن من ثروات وقصور وسيارات وربما حتى بيوت في اوروبا وهم ليسوا تجارا ولم يرثوا مصانع واستثمارات، وعاشوا حياتهم موظفين.
الشخص المسؤول الذي يعتقد ان من واجب الدولة ان تنفق على افراحه واتراحه من الخزينة، او ان يسخر صلاحياته والكوادر التي يديرها لعرس او عزاء، هذا الشخص لديه مشكلة في طريقة تفكيره، لكن المشكلة الكبرى في انظمة الادارة والسياسة والرقابة التي تجعل المناسبة الخاصة او ما يشابه عملا رسميا تتحمله اجهزة الدولة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة