قيل الكثير عن الزيارة المفاجئة والهامة التي قام بها جلالة الملك إلى دمشق يوم الاحد الماضي، وقد حققت الزيارة نتائج ايجابية ملموسة تحدثت عنها الانباء، لكن ربما ما نحتاجه هو السعي لعلاقات اردنية- سورية مستقرة حسنة، وليست علاقات باردة سياسيا، برودة تترك آثارها على بعض مجالات التعاون الاقتصادي والمائي.
ربما يغيب عن البعض ان اهمية هذه الزيارة انها كسرت جليدا كانت العلاقات الثنائية تعيش تحت وطأته، وكان هناك تباطؤ وتسويف من الحكومة السورية في حسم بعض القضايا الثنائية، وعلى رأسها ملف المياه وسد الوحدة، وعلى الرغم من انعقاد اللجان الفنية الا ان عقبات حقيقية كانت تقف وراء هدم التوصل الى تفاهمات، وهي عقبات سياسية تعود في جوهرها الى التباين الكبير في المواقف السياسية تجاه الملفات الإقليمية (اللبناني والفلسطيني والعراقي) والاهم العلاقة مع ايران، ولهذا ضاعت شهور من المحاولات الفنية وغير السياسية، وكنا نقرأ كلاما دبلوماسيا يحاول التخفيف من العقبات، لكن الحقيقة كانت غير ذلك، ولهذا جاءت المبادرة من الملك لحسم هذه الملفات والحديث مع صاحب القرار لأن للاردنيين مصالح او حقوقا في الملفات العالقة، مثل المعتقلين او المياه او القمح او غيرها من القضايا الثنائية.
ورغم اهمية القضايا العربية التي تم بحثها إلا أنّ الزيارة لم تكن لحل مشكلة الرئاسة اللبنانية، وهي قضية دولية معقدة، ولم يكن هدف الزيارة مناقشة القمة العربية القادمة التي ستعقد في دمشق في اذار القادم او الملف الفلسطيني او العراقي، وحتى لو قرأنا في البيان الختامي حديثا عن هذه الملفات فإنّ الهدف الرئيس للزيارة هو حسم القضايا الثنائية، ولهذا كان صحيحا ما قيل انها لم تأت بطلب من اي طرف عربي بل خطوة اردنية خالصة.
ونعلم ايضا ان هناك في طبقات الحكم من سياسة وامن في الشقيقة سورية من لديهم موقف سلبي من تطوير العلاقات الاردنية- السورية، وكان في مقدمتهم نائب الرئيس "المعارض" عبدالحليم خدام، وهذا من الاسباب التي جعلت هذه العلاقة تعود الى الجمود، بعد ما كانت على ابواب تطور كبير مع بداية عهد الرئيس بشار الاسد الذي يحتفظ بعلاقة شخصية قوية مع جلالة الملك.
لن انسى القضايا السياسية الكبرى التي اثرت على هذ العلاقة، لكن اعتقد ان الاجواء الايجابية التي تركتها زيارة الملك الى دمشق تشير الى انه يمكن تحييد القضايا التي أدّت إلى جمود العلاقة بين الدولتين.
ما نتمناه ان تكون هذه الزيارة بداية لعلاقة خالية من المشكلات والازمات، وان يتم حل هذه الملفات العالقة منذ سنوات، مثل ملف الحدود وضبطها او مياه سد الوحدة. ونتمنى على المسؤولين في الحكومة السورية ان يعتبروا القمة مفتاحا لارادة سياسية سورية حقيقية وليست حالة سياسية مؤقتة، وهذا ما ستثبته الاجتماعات الفنية على مستوى اللجنة العليا او الوزراء. فنحن نخشى ان نفرح اياما او نرى بعض الاستجابات الايجابية ثم تعود الامور الى ما كانت عليه، لهذا نتمنى ان تكون اهم نتائج القمة ارادة سياسية سورية تجسدها مواقف الحكومة السورية التي لها ايضا مصالح في هذا التعاون على اكثر من صعيد.
هل تكون هذه القمة مفتاحا لعلاقات دافئة قريباً؟ هذا هو السؤال الاهم، وهذا الذي ننتظر ان تثبته الايام. ونحن معذورون في هذا التحفظ والتخوف لاننا عشنا تجارب كانت فيها الاطراف - التي لا تريد لهذه العلاقة ان تتطور- تبعث كل اشكال التردي والتردد، كالتي كانت الى ما قبل القمة، ولهذا نُبدي تفاؤلا بنتائج القمة، لكننا سننتظر ان يصل المسار إلى علاقات دافئة.
وحتى لو انتقلنا إلى الموضوع السياسي فإن من مصلحة القيادة السورية التي ستستضيف القمة العربية القادمة ان تعيد الاعتبار لحضورها وعلاقاتها العربية التي اصابها الهدم او الضمور. فالواقع الحالي لا يشير الى امكانية عقد قمة ناجحة بحضور عربي رفيع، وما هو اهم من القمة ان دمشق وضعت كل الأوراق في اليد الايرانية ما اثر على العلاقات السورية- العربية مع مصر والسعودية ودول عديدة اخرى.
واذا كان من حق سورية اقامة تحالفات تحقق مصالحها، فإن هذا لا يعني استبدال علاقاتها العربية بتحالف مع طهران.. فالتوازن مطلوب وممكن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة