لعل اكثر ما لفت الانتباه ويشغل المجالس هو نتائج الحركة الاسلامية في الانتخابات النيابية، وما بين الدهشة والاتهامات والشماتة والحزن والنقد هنالك قضايا هامة تركتها هذه العملية الانتخابية، ومع التقدير لحق اي جهة او طرف في الحديث عن التفاصيل، وما يعتقد انه اجراءات غير سليمة او مخالفة للقانون، فإنّ الاستغراق بهذه الحكايات رغم اهميتها يبعدنا عن الصورة الكلية التي رسمت اجزاء هامة من تركيبة المجلس الجديد.
واذا تناولنا العوامل الهامة فإن اولها عمليات نقل الاصوات التي تمت في فترات سابقة وتحديدا خلال المدة القانونية، ومن قام بها هم مرشحون ذهبوا باتجاه (مخازن) للاصوات في بعض المدن والمخيمات، فكانت هذه العملية المشتركة من المرشحين والمواطنين والحكومة. فالمواطن والمرشح غيّرا شكل بعض الدوائر، ومن المؤكد انه نقلٌ ليس لله تعالى او اعجابا بالمرشح، وعدم تطبيق الحكومة للشروط القانونية ساهم في ذلك.
الامر الثاني هو ما تحدث عنه الجميع وهو استعمال المال لشراء الاصوات، وهذه ايضا عملية ساهمت فيها الاطراف ذاتها، فالناخب والمرشح باعا واشتريا، والحكومة هددت وتوعدت لكن لم نسمع عن تطبيق للقانون ولم يعاقب احد، بل ان بعض عمليات القاء القبض تمت على أتباع مرشحين مع ان الاصل ان تكون المحاسبة للمرشح صاحب المال ولنهج البيع والشراء وليس لتابع صغير. والخطورة ان غياب الحزم والعقوبة في هذه الانتخابات سيزيد من حجم هذه الظاهرة في اي انتخابات قادمة.
واذا عدنا الى ما جرى للاسلاميين فإنهم اول المتضررين بعمليات نقل الاصوات من دوائر الى اخرى، واول المتضررين ايضا باستخدام المال في الانتخابات، فهم لا يمارسون هذا، ومن مارسه نافسهم على نفوذهم ومقاعدهم، بخاصة ان عمليات النقل او شراء الاصوات كانت في المدن اكثر من الارياف.
لكن لحكاية الاسلاميين جوانب سياسية، والفوز امس بستة مقاعد فقط ليس اول الحكاية، بل جزء متقدم منها وسأشير هنا بشكل مختصر الى قضايا وعوامل هامة بما تتيحه مساحة المقال:
1- لقد سبق وقيل الكثير عن علاقة الحركة الاسلامية بالسلطة التنفيذية، لكنني اذكر بأن هذه العلاقة تشهد تحولا جذريا وتبدلا في المعادلات، وهذا الامر لا يحب البعض الاعتراف به حتى بعد ظهور نتائجه. وهنالك ايضا ازمة ليست مرتبطة بحكومة او وزير، بل جوهرها الثقة بكل معانيها وابعادها السياسية والفكرية، وجزء من هذه الازمة ان بعض مؤسسات صناعة القرار لم تعد تتعامل مع الحركة على اساس معتدلين ومتشددين، وربما اخطأ البعض عندما اعتبر ان هيمنة تيار الاعتدال على القائمة سيبعث الدفء في العلاقة، لكن الحقيقة التي لا تخفيها الاوساط الرسمية ان من يسمون المعتدلين اصبحوا بمثابة "قشرة في الاوساط القيادية" وليسوا عاملا حاسما.
لن اذهب بعيدا في هذا الوصف لكن ما اود قوله ان هذا التغير في جوهر العلاقة ترك اثارا على منهجية التعامل وعلى المساحة المعطاة للحركة. وكان يجب قراءة حالة الحزم في قضية النواب الاربعة وذهابها الى القضاء رغم الاعتذار، وايضا الانتخابات البلدية بأبعادها السياسية وغيرها من الرسائل القوية، ولم يكن ممكنا الا تظهر مثل هذه الرسائل في موسم سياسي مفصلي مثل الانتخابات النيابية. ولم يكن ممكنا ان لا تظهر عملية اعادة هيكلة الوجود السياسي للحركة في المؤسسات السياسية.
ربما ما على الحركة الاسلامية ان يتسع صدرها له ان جزءا مما تعيشه من تجاذبات داخلية تجاوز حدود التعددية في الرأي، وقد مارست بعض القيادات من كل التيارات عمليات نقل متعمد لهذه الخلافات الى الاعلام، واصبح ما يجري في الداخل متوفراً على صفحات الصحف وفي ثنايا المقالات، وفي هذه الانتخابات.
مارست بعض القيادات براءة علنية من القائمة الرسمية للحزب، ولم يتردد هؤلاء بوصفها قائمة استرضاء الحكومة. بل ان الحكومة استطاعت - بلقائها قبل ساعات من اعلان المشاركة الاخوانية في الانتخابات وما صدر بعد ذلك من تداعيات- ان تتحول الى متفرج لترك الامر يتفاعل داخل اطار الحركة وبشكل علني وواضح، وابتعدت قيادات اولى في الحزب عن الانتخابات حتى في يوم الانتخابات لتؤكد براءتها من القائمة وما سيحصل لها.
لعل البعض لن يعجبه القول: ان بعض مرشحي الحركة تعرض للخذلان من بعض مفاصل التنظيم وتركته يواجه مصيره. وهذا كان جزءا من استحقاق الخلافات والتيارات التي تأخذ طابعا شخصيا اكثر منها فكرا وسياسة.
ليس سببا واحدا ادى الى ما جرى للاسلاميين. لكنني اعتقد ان هذا العام لم يكن استكمالا لهيكلة علاقة الدولة مع الحركة بل ايضا اعادة هيكلة حضورها السياسي. ولعل الخطر الحقيقي على الحركة ان تغمض عيونها عن الصورة الشاملة وتجد لنفسها العذر بالهروب الي سبب واحد او الغرق في اجراءات غير قانونية جرت في الانتخابات، فهذه الاجراءات كان معظمها يتم في كل انتخابات، لكن هذه المرة هنالك اسباب اخرى جديدة من داخل الحركة وخارجها.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية