ليس قليلا ما حققناه في هذه المرحلة الصعبة في تاريخ بلدنا وفي تاريخ المنطقة برمتها. وليس سهلا ما ننجزه الآن من تطوير وإصلاحات تتجسد في مخرجات لجان الحوار ومشاريع القوانين العصرية للانتخابات والأحزاب. لكن ما تحقق حتى اللحظة ليس أكثر من نقطة البداية والانطلاق في مشروع وطني شامل يرسخ الأردن نموذجا ديمقراطيا متطورا، ودولة طليعية، ومجتمعا منتجا يتميز بقدرات وطاقات أبنائه في الوطن وفي دول المنطقة. وإذ نريد لهذا المشروع أن يكتمل وأن يحقق مبتغاه بما يعزز استقرارنا وينعكس خيرا على حياتنا، فإننا نستشعر الحاجة الماسة إلى انخراط جميع مكونات المجتمع ومساهمتها في هذا الجهد الذي يقوده الملك، ويتوج نهايات مراحله بإنجازات كبيرة.
ولعل من البديهي التأكيد على أن مشروع البناء والارتقاء ليس مسؤولية طرف دون آخر ولا هو حكر على فئة دون غيرها في التشكيل المجتمعي والسياسي في البلاد. إنه مسؤولية جماعية تتحملها الحكومة والبرلمان والأحزاب والنقابات، وتتحملها الموالاة والمعارضة بذات القدر، لأن النهوض لا يتحقق من دون الجهد الجماعي المتناغم مع الرؤى التطويرية والتحديثية الواضحة التي 
ما فتئ الملك يؤكد عليها في كل مناسبة.
ندرك أن هناك معيقات ومنغصات ومشكلات ينبغي حلها، ونعرف أن الإصلاح لا يتحقق من دون مكافحة عملية للفساد وسد الثغرات التي ينفذ منها لتخريب منجزنا. لكننا نعرف أيضا أن لدينا جهات متخصصة في هذا الجهد المبارك، ونعرف أننا من الدول القليلة في المنطقة التي حرصت على تأسيس هيئة رسمية ذات صلاحيات عملية لمكافحة هذه الآفة التي لا ينحصر وجودها في الأردن بل هي موجودة ومتفشية بنسب متفاوتة في كل المجتمعات.
وفي الوقت الذي ندعو فيه إلى محاربة هذه الآفة والقضاء عليها، فإننا نثق بقدرتنا على ذلك من خلال العمل المؤسسي وتفعيل القانون وتشديد الرقابة على المال العام، لكننا لا نعتقد أن التضخيم والإشاعات والاتهامات الطائشة واغتيال الشخصية وسيلة ناجعة للقضاء على الفساد، بل هي في حد ذاتها فساد من نوع آخر وسلاح يصيب صاحبه عندما تتحول الاتهامات غير المبنية على أدلة ووقائع إلى مضادات للتنمية ومنفرات للاستثمار، وعندما تخلق بيئة مغلفة بالريبة والهلع، ما يبعد المستثمرين ويحرمنا جميعا من فرصة توطين المشاريع الإنتاجية التي نسعى إلى جذبها معتمدين على ما يتمتع به بلدنا من أمن اجتماعي وسياسي وتشريعات تحمي الاستثمار وتحفزه.
يؤلمنا ما نسمع أحيانا، ويؤذينا ما يقود إليه تضخيم إشاعات الفساد، ومواصلة التشكيك في الدولة كلها من خلال قصة خروج المحكوم خالد شاهين إلى بريطانيا. وإذ لا نقلل من خطورة ما حدث، فإننا في الوقت نفسه نريد طي هذا الملف، ولكن ليس بأي ثمن، وبالضرورة ليس من دون ثمن.
ندعو الجهات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها والمبادرة إلى كشف حقيقة ما جرى في قصة شاهين، وتحديد المذنبين في هذا الموضوع ومحاسبتهم بكل شفافية لكي نغلق هذا الملف ونستريح من الاتهامات التي تطلق في كل الاتجاهات وتصيب الاستثمار في مقتل.
حققنا الكثير في السنوات الصعبة، وجاء قبول انضمامنا إلى عضوية مجلس التعاون الخليجي تتويجا لجهد ملكي مبذول بحكمة وحرص على حاضر ومستقبل البلاد والعباد. وقد تفاءلنا كثيرا بهذه الخطوة التي نراها إنجازا كبيرا، ليس على مستوى تعزيز اقتصادنا فحسب، ولكن في سياق العمل العربي المشترك الذي ما تخلفنا لحظة عن أداء واجبنا تجاه تقويته وتوسيع مجالاته. لكن ارتياحنا لهذا الإنجاز وتفاؤلنا بنتائجه يجب أن يستند إلى حقيقة امتلاكنا ثروة كبيرة، يجسدها شعبنا بطاقاته وكفاءاته، ويجسدها نظامنا السياسي بثقله ونفوذه والاحترام الذي يتمتع به في المنطقة وفي العالم.
ثروتنا كبيرة، ولا نسمح لمغرض أو مسيء بتبديدها بالإشاعات واغتيال الشخصية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف :محمد خالد عليان   جريدة الغد