لست من المؤمنين بنظام المحاصصة وتقسيم المواقع السياسية جغرافيا. لكن بعض المسارات السياسة التاريخية تخرج من إطار فكرة المحاصصة الى نظرة الدولة التاريخية والاستراتيجية نحو بعض المناطق وفئات من السكان.
سأتوقف عند مثال واضح هو مناطق الأغوار الجنوبية، التي لم تدخل الجغرافيا والديمغرافيا الأردنية حديثا، بل هي جزء من الدولة منذ أن كانت. لكن ما يلفت الانتباه أن هذا التجمع السكاني، المقيم على مساحة واسعة من الأرض والمقدرات الأردنية، لم يحمل أي من أبنائها لقب مدير أو أمين عام، ولا حتى وزير، باستثناء حالة واحدة كانت في سياق غير اعتيادي، حيث تم إسناد حقيبة وزير دولة الى النائب السابق محمود هويمل، عندما كانت الحكومات تدخل نوابا فيها في فترة المجلس الحادي عشر، في سياق توازنات العلاقة بين الحكومة ومجلس النواب، فضلا عن أن وزراء الدولة كانوا تعبيرا عن عملية استرضاء.
هنالك مناطق وعشائر كبيرة وهامة تمثل مخزونا من الخبرة والانتماء لم تأخذ حقها السياسي. وهذا يدل على أن المشكلة ليست فقط في غياب العدالة في توزيع مكاسب التنمية أو الخدمات، بل حتى في توزيع المواقع.
بعض مناطقنا أرادتها الحكومات للفرح بافتتاح مركز صحي أو استقبال سيارات المعونات، وصنعت سقفا لتوقعات أبنائها بأن يزورهم المسؤولون أو أن يبث التلفزيون تقريرا عن مشاكلهم. أما الدلال والحظوة وكثافة المواقع أو وزراء ومدراء و"أمناء الصدفة" فهم من حصص بعض العائلات وشبكات العلاقات أو عمليات الضغط ونتاج صفقات مجالس النواب والحكومات.
لو خرج من الأغوار الجنوبية وزير فإنه لن يغير التاريخ، ولن يحول المنطقة الى جزء من السويد أو سويسرا، لكنها حالة النسيان مرة أخرى. فالحكاية ليست خاصة بالأغوار الجنوبية، لكن هذه المنطقة الأردنية وسكانها مثال واضح.
لو كانت عمليات إسناد المواقع العليا، من وزراء ومدراء وأمناء، تتم وفق معايير واضحة وأسس موضوعية لكانت الحال مختلفة، ولما كانت المطالبة إلا بالحفاظ على هذه العدالة. لكن عندما يشاهد الأردني أن عائلات صغيرة العدد لا يتجاوز عدد أسرها أصابع اليد خرج منها وزراء وسفراء وأعيان فإن من حقه أن يسأل الحكومات لماذا تنسى مناطق واسعة بأهلها وشبابها وكفاءاتها بينما تكدس الألقاب والمواقع والنفوذ لدى فئات محددة، أو لدى عائلات معينة أو أشخاص ومجموعات.
حتى نظام الصدفة وتعبئة الفراغ فإنه لا يشمل العديد من المناطق والعشائر والعائلات الكبيرة! فهذا النظام يستعمله البعض لتمرير أشخاص ومعارف لا يشكل وجودهم إضافة نوعية سياسية ولا فنية، ولا هم يمثلون قوى اجتماعية.
الأغوار الجنوبية وأبناؤها ليسوا معدمين من التأهيل والكفاءات وحملة الشهادات أو الخبرات، لكن لم يُعط أي واحد منهم فرصة حمل لقب عطوفة أو معالي الا تلك الحالة الخاصة، وهنا لا أتحدث عن أشخاص أو أسماء محددة، بل عن حالة سياسية.
التجاهل التاريخي للأغوار وأخواتها يمثل ظاهرة سلبية، بل مشكلة. وربما على أهل التخطيط والدراسات والحاسوب أن يرسموا خارطة لمناطق الأردن وعشائرها ومدى إنصافها سياسيا، وعندها سنجد أنفسنا أمام مشروع إعادة إنصاف كبير سياسيا وتنمويا.
هل من المعقول أن يمر شخص خلال عدة سنوات قليلة من موظف الى أمين عام ووزير ونائب رئيس وزراء وعضو في مجلس الأمة، بينما مناطق واسعة وعشائر لم يحمل أي من أبنائها خلال عمر الدولة لقبا من ألقاب هذا المواطن!.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية