لا يجوز ان نختزل العدوان والاجرام الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني بقضية الكهرباء والوقود، فهذا ما يريده الاحتلال الذي يعلم ايضاً انه لن يصل الى مرحلة ابقاء غزة ومستشفياتها من دون كهرباء، لهذا فحين تعلن الحكومة الصهيونية انها اعادت تزويد غزة بالوقود فإنها تريد بعث ارتياح وتنفيس لردود الفعل على حصارها وغاراتها الجوية وعدوانها، وكأن قصة غزة فقط هي الكهرباء، وكأن العدوان والاجرام الصهيوني يتم اختزاله في الكهرباء وقطعها ثم ايصالها.
قصة غزة لها بعدان سياسي وانساني. والجانب الانساني على اهميته يفترض ان لا يُغيّب الجانب الاهم وهو ان اسرائيل تفعل هذا لأغراض سياسية، فهي تعلم انها لا تستطيع ان تقتل غزة انسانياً، لكنها تريد صياغة واقع يصبح فيها (تنازلها!) في القضايا الانسانية والخدماتية له ثمن سياسي، او ان يكون فتحها لابواب الانفراج الانساني اسكاتا لردود الافعال وتبريرا لاعمال عسكرية عدوانية ضد قوى المقاومة، او ما تعتبره هي اهدافاً عسكرية حتى وان كانت غير ذلك.
اسرائيل تتقن لغة المجازر ابتداء من دير ياسين وصبرا وشاتيلا وكفر قاسم والحرم الابراهيمي وغيرها، لكن لكل مجزرة قصة سياسية وهدفا يسعى الاحتلال لتحقيقه. ومجزرة غزة الحالية اخذت اكثر من شكل، فكانت البداية مجموعة من الاعمال العسكرية العدوانية سقط فيها اكثر من ثلاثين شهيداً وعشرات الجرحى، ثم جاءت المجزرة الانسانية بقطع امدادات الوقود.
يبدو الهدف السياسي من وراء العدوان الإسرائيلي تشكيل قناعة لدى شعب غزة بأنه  يدفع  ثمن وجوده  تحت حكم حماس، وتريد إسرائيل ان تقول ان الاطفال في المستشفيات يدفعون ثمن اي عمل مقاوم بما فيه الصواريخ، ويعتقد الاحتلال ان هذا سيصنع موقفاً داخل غزة وشعبها على كل ما يمكن ان يفتح من جديد ابواب هذا العدوان واشكاله المختلفة.
يعتقد الاحتلال ان العمليات العسكرية قد تصيب بعض القوى السياسية، لكنه يريد ان يجعل كل مواطن يدفع ثمن شكل غزة السياسي. ولعل هذه الطريقة من العقوبات تهدف - في عقل المحتل- الى ايجاد حالة تناقض داخل مجتمع غزة بين مواطنيها وسلطتها، لكن هذا ارهاب قد لا يصل الى مبتغاه واهدافه.
علينا في زحمة الصورة المأساوية ان لا ننسى ان غزة والضفة كانتا وما تزالان تتعرضان للعدوان والاجتياحات بغض النظر عن شكل السلطة. فإلى ما قبل زيارة الرئيس بوش الاخيرة كانت نابلس ومدن اخرى في الضفة تتعرض لاجتياحات واغتيالات، وهي تحت حكم عباس وحركة فتح، ومنذ اوسلو عام 1993 وحتى الان لم تتوقف عمليات القتل والاغتيالات والاجتياحات، ولن تتوقف.
يجب ان لا ننسى ان هذا الكيان ليس عدواً لنهج المقاومة فقط، بل حتى للتسوية والتفاوض، فهو كيان غير قابل للتعايش مع اي نهج. والحل الوحيد لنزع خوف كيان الاحتلال ان يتم ابادة كل جيران اسرائيل لتبقى وحدها، ابادة الجميع، مقاومين ومفاوضين، فلا شيء يطفئ حالة الخوف لدى هذا الكيان.
مرة اخرى ندعو سلطتي غزة ورام الله الى موقف وطني مسؤول. فاذا كانت هذه الدماء والمعاناة والقتل غير قادرة على تجاوز المرحلة فهذا يعني ان ما بين الفلسطيني والفلسطيني اكبر من الذي بين الاحتلال والفلسطيني! واذا لم تكن السلطتان على سوية عالية من المسؤولة فلا ضرورة للوم الاخرين على التقصير.
* ملاحظة: سأكمل غداً ما اشرت اليه في مقال امس حول القضايا الخاصة بزيارة الملك الى الازرق.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية