رد الفعل الصهيوني على فتح المعبر نحو رفح المصرية حمل اشارة هامة، وهي ان اسرائيل ستعيد النظر بعلاقتها مع غزة، اي ستفك كل ارتباط لها بغزة وتقيم معها منطقة حدودية عازلة وتقطع كل صلة لها بها. وربما هذا يشمل صلة غزة بالضفة الغربية، وتحويل اتجاه غزة نحو مصر، وهي التي دعت السلطة وحماس الى حوار حول المعبر وتداعيات، ويبدو هذا الكلام الصهيوني بمثابة تهديد مبطن لمصر التي سمحت بتدفق اهل غزة اليها.
التهديد يقول إن اسرائيل ستحول (عبء غزة) على مصر، وستجعل منها ذات ارتباط وحدود مفتوحة معها تتزود منها غزة بكل شيء، وتُحمِّل مصر العبء السياسي والأمني. وربما ما تتمناه سلطات الاحتلال ان تكون غزة جزءا من مصر او ملحقة بها، ولو جزئيا، تنطبق عليها معادلات العلاقة بين الجانبين المصري والاسرائيلي. والتهديد الاسرائيلي حتى وان لم يجد له طريقا للتطبيق الا ان ما يساعده على التواجد كخيار حالة الانقسام والتباعد السياسي بين الضفة وغزة، وعززه تباعد جغرافي فرضه الاحتلال ورسمته اتفاقات اوسلو مما جعل الدخول والخروج من الضفة الى غزة وبالعكس امرا تحت سيطرة الاحتلال، وكأن غزة والضفة بلدان منفصلان.
ربما تتمنى سلطات الاحتلال ان تتغير اتجاهات غزة نحو مصر، فتتخلص اسرائيل من هذا العبء وتحمله للاشقاء المصريين، ويصبح ضبط الامور على المصريين، وربما هذا يعيدنا الى خيارات طرحتها جهات عديدة في اوقات مختلفة ايضا لإلحاق غزة والضفة سياسيا وأمنيا بمصر والاردن، وهذا ما يسمى بلغة ناعمة الكونفدرالية او الفدرالية.
لعل ادق تعبير للواقع الذي تتمناه اسرائيل ان تكون الجيوش وقوات الأمن المصرية والاردنية هي التي تحمي الاحتلال بوجودها تحت اسم الكونفدرالية او الفدرالية او الالحاق. فتجربة إسرائيل مع السلطة اثبتت انها غير ناجحة في حماية ما يسمى امن اسرائيل، وهي تريد ايضا التخلص من تجسيد فكرة الدولة الفلسطينية الحقيقية الى الدولة المؤقتة الشكلية التي تقام دون مقومات ولغايات اكسابها الشكل الذي تدخل فيه في الشركة السياسية المسماة كونفدرالية او فدرالية.
فستبقى اسرائيل تُضيِّق الخناق على اهل فلسطين وتضعف السلطة الى حد افقادها القدرة على فعل اي شيء، والبداية في غزة بحجة ان حماس حركة تمارس الارهاب لتبرير العدوان والحصار والتجويع، ولتكرس ان خيار اهل غزة ليس الضفة، لان فيها ما يكفيها من المعاناة.
اسرائيل بعدوانيتها ليست ملاذا او مصدرا حتى للخدمات الاساسية، ومصر دولة كبرى مستقرة ترتبط بمعاهدة مع اسرائيل، وهي الخيار الذي تحب اسرائيل ان يقبله اهل غزة ليس للتسوق وحل مشكلتهم الانسانية فحسب، بل خيارا سياسيا كاملا عبر الالحاق.
الضفة الغربية، بواقعها الصعب ايضا، تريد اسرائيل ان تجعل خيار اهلها وحتى سلطتها فدرالية او كونفدرالية، وهو حل يجعل عبء المحافظة على الحدود وامن اسرائيل عربيا، ويهدر فكرة الدولة الفلسطينية الحقيقية التي تقوم بثمن يدفعه الاحتلال ويقبضه الشعب الفلسطيني المظلوم. فهذه خيارات سياسية تشعر الفلسطيني انه في دولته لكنه حقيقة في دولة اخرى وعلى حساب حقوقه وسيادة الدولة الشريكة.
الحلول الكبرى تطبخ على نار هادئة، وتحتاج الى وقائع يتم فرضها على مراحل. ما نتحدث عنه امر سياسي ولا يعني انه ليس من حق اهل غزة ان يبحثوا عن كل الحلول للحفاظ على حياتهم وتأمين غذائهم، لكن علينا ان نتذكر ان اسرائيل لا تريد ان تمنح الفلسطينيين اي حق لهم، وستبقى تعمل لتكون الحقوق السياسية على حساب دول اخرى وتحديدا مصر والاردن ولبنان، سواء عبر توطين عملي او مشاريع سياسية.
الاحتلال الذي ساهم مع تنازع الاشقاء على فصل غزة عن الضفة لن يتوقف عن استثمار هذا الحال قبل الانتقال الى هدف آخر.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية