احد الاصدقاء أخبرني عن حادثة حصلت معه في احدى محطات الوقود اثناء ذهابه لتعبئة سيارته بالبنزين حيث تقدم منه شخص يحمل (جلناً) وطلب منه ان يدفع له ثمن تعبئة نصف تنكة كاز, وشاهد آخرون على باب صالة افراح سيدة تحمل (جلن) بلاستيكيا صغيرا وتطلب من الموجودين التبرع لها لشراء كاز لأولادها.
وربما يكون هذا الإبداع احد اشكال تطوير اساليب التسول, وذكاء من اصحاب القرار في عمليات التسول الذين يتابعون ويسمعون عن مشكلة الغلاء، لهذا قرروا تطوير اساليبهم وبشكل يعود بالفائدة بشكل اكبر, فالشخص قد يعطي لمتسول عشرة قروش او نصف دينار، لكن سعر نصف تنكة كاز قبل الغلاء يزيد على ثلاثة دنانير, ومن يدفع هذا المبلغ يكون على قناعة انه يوفر لأسرة فقيرة الدفء في برد الشتاء القارس ويساعد رب اسرة لا يملك ثمن الكاز.
هنالك فئات فقيرة لا تجد تكلفة التدفئة، لكن ربّ الاسرة قد يأتي او يرسل ابنه بزجاجة صغيرة لعلها تكفي يوما بانتظار الفرج في اليوم التالي, وهذه الفئات قد يقترض رب الاسرة من جاره دينارين او ثلاثة، لكنه لا يقف ليتسول على باب الكازية, فهذه لغة محترفة وتطوير للأساليب تماما مثلما هي اساليب مختلفة شهدها (سوق) التسول خلال السنوات الاخيرة، بما يشكل عبئا حتى على الجهات المعنية بمتابعة شبكات التسول.
ليس جديدا أن يشتري الفقراء الكاز بكميات قليلة, فالكثير من العائلات التي كانت تتقاضى رواتب محدودة كانت تشتري من بائع الكاز على العربة التي يجرها حمار او حصان, كانت تشتري ربع تنكة, وكنا نقف في الشارع ننتظر البائع الذي كان لديه ثلاثة مقاييس للربع والنصف والتنكة. فالكاز لم يكن مرتفع السعر لكن الرواتب كانت قليلة, تماما مثلما كانت فئات من العائلات ذات الدخل المحدود تشتري ربع اوقية شاي, او كيلو سكر او كيلو رز, وكانت "باكيتات" الشاي الصغيرة تحل المشكلة فهي اكثر احتراما وفيها (100) غم, وليس بالضرورة ان يشتريها المواطن نقدا، بل احيانا على الدفتر.
الفقر ليس حديثا على مجتمعنا، فنحن لسنا دولة غنية, لكن التعفف سمة المجتمع, وبيوت عائلاتنا من الموظفين والعسكر والمزارعين لم تكن متخمة بالطعام والشراب, لكن الناس كانت تحب الستر وتكرم الضيف, قبل ان يحترف البعض المتاجرة بالفقر حتى وهم ليسوا محتاجين، فيرسل احدهم زوجته الى صندوق المعونة لتطلب معونة طارئة وتؤلف قصة، وهو ينتظرها ربما في سيارته, او يسعى احدهم وهو المقتدر ليضع اسم امه لأنها ارملة لتقاضي معونة، على الرغم انه قد يكون من حملة الالقاب والمال, وقبل ان يتحول التسول الى شبكات ووسائل اثراء وغنى, حتى اصبح البعض لا يقدم شيئا لمتسول لأنه لا يثق به ولا يدري ان كان محتاجا ام متسولا محترفا.
يروي احد الاصدقاء قصة حقيقية من صديق له صاحب محل مجوهرات ان رجلا جاءه ليلة العيد ومعه ابنته الصغيرة يريد ان يبيع (حَلَق) هذه الطفلة الذي تضعه على اذنيها, ووجد الأب صعوبة في خلع الحلق, فأراد الصائغ ان يفعل الخير، فقال للأب ان ثمن الحلَق (10) دنانير، واعطاه اياها وطلب منه ان يبقى الحلق في اذني الطفلة فرفض الاب بغضب, وهو المحتاج الفقير، لكنه لا يتحول الى متسول.
ولعلنا في هذه المناسبة ندعو كل الجهات التي تقدم المعونات ان تبتعد عن كل الاساليب التي تهتك الستر الذي يزين الفقراء, فالجهات التي لديها فقراء وتعرفهم يفترض ان تحترم خلقهم وفقرهم, لأن بعض الاساليب تقدم المعونة والمساعدة لكنها تُفقد الفقير عفة يحرّض عليها اكثر من كرتونة المساعدات.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة