نتابع جميعا تطورات معبر رفح بعد أن تم فتحه أياما مع الشقيقة مصر، وتَزَوّد الناس هناك بكميات من السلع لمواجهة الحصار، لكن المعبر أصبح محل تفاوض، بل خلاف كبير وجديد بين سلطة رام الله وسلطة غزة، وذهب الإسرائيليون مذهبا يعمق الخلاف عندما أعلنوا أنهم لا يمانعون في تولي سلطة محمود عباس أمور معبر رفح.
والمضحك المبكي أن ما فعلته سلطات الاحتلال من حصار وتجويع تحول اليوم الى قضية من الارشيف، وما يتم الحديث فيه حول خلاف فلسطيني حول من يتولى الإشراف على المعبر. فالاحتلال كمن يحمل كرة من النار رماها من يديه لتصبح في أيد فلسطينية وعبئا على المصريين، وتحول الأمر الى مشكلة جديدة لكن الاحتلال ليس طرفا فيها، وما تشهده القاهرة والرياض من لقاءات فلسطينية عربية مخصصة لمناقشة قضية المعبر.
الاحتلال صنع مشكلة جديدة أصبحت هي محل التفاوض والجدل والخلاف، وبدلاً من أن يكون التفاوض بين غزة ورام الله على إنهاء الوضع الشاذ والانقسام السياسي والجغرافي، أصبح التفاوض على من يسيطر على المعبر بعدما تركته اسرائيل فتخلصت - من خلال ما فعلت - من جزء من عبء غزة. وما يتابعه الناس في الإعلام هو قضية جديدة للتراشق بين فتح وحماس حول قضية المعبر، واتهامات من حماس للسلطة وإسرائيل وأوروبا ودول عربية بالتآمر في قضية المعبر.
كان الأمل أن تكون أحداث غزة والحصار والتجويع نقطة تحول لإعادة توحيد الواقع الفلسطيني أو على الأقل لبدء مسيرة نحو هذا الهدف، لكن ثبت أن هذه الخلافات تحتاج الى ما هو أكبر من دماء الشهداء والجرحى وجوع المحاصرين حتى يمكن أن يتم التفكير في البدء بحلها.
أحد القراء الكرام علق على مقالات سابقة بقوله إن ما يجري في فلسطين من خلافات وخندقة من كل طرف حول سلطة وهمية أضعف أي دعوة للوحدة العربية والإسلامية. فالأنظمة التي ندعوها للوحدة لدى كل منها دولة وأرض وجيوش وثروات لا يمكنها أن تتخلى عنها لأن من ليس لديهما دولة، ولا جيوش ولا أموال في السلطتين، يرفضان وهما يحملان ذات العلم، أن يجلس أي منهما مع الآخر في حوار جاد وأخوي، فكيف نطالب العرب بالوحدة من أجل تحقيق أهداف الأمة، وأهل السلطة في فلسطين يرفضون حتى مجرد الجلوس معا ويقدمون للاحتلال خدمة كبرى.
سنعود مرة أخرى الى قضية المعبر التي أصبحت ملفا جديداً، وبدلاً من أن تتحمل إسرائيل مسألة الحصار، حتى كرة النار, ليختلف الفلسطينيون حول من يدير المعبر ويسيطر عليه، وينهمك المصريون في البحث عن حل؛ لأن غياب الحل سيعني أن عليهم هم أن يجدوا الحل، وربما يكون الحل الأصعب وهو إغلاق الحدود وعندها سيقال إن مصر هي التي تحاصر القطاع، على الرغم أن المشكلة الأساسية في الاحتلال الذي يمارس بذكاء صناعة الأزمات ثم يجعلها أزمات للآخرين.
المعبر قضية جديدة سيتم بسببها التوقف عن المطالبة بإعادة توحيد الضفة والقطاع للمطالبة بحلها بين الأشقاء، ولن يمر وقت طويل قبل أن يصنع الاحتلال أزمة جديدة ثم يرميها في أحضاننا.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة