الدولة الاردنية مثل كثير من دول العالم اخذت طريقها في نهج اقتصادي يعتمد انسحاب الدولة لمصلحة القطاع الخاص، والانسحاب اخذ اشكالاً متعددة، لكن رافقه استغراق للدولة بشكل اكبر في تحمل آثار هذا الانسحاب ليس فقط عبر برامج العون والمعونة الوطنية بل عبر اشكال سياسية واقتصادية تحاول التخفيف من آثار هذا النهج الذي ترك ضحايا من طبقات اصحاب الدخل الحدود، بل اعاد صياغة هذه الطبقات.
ولعل مراجعة هذا النهج او التراجع عنه امر لم يعد ممكناً على الاقل لفترات قادمة، لكن يفترض بالدولة ان تبقى تمارس دور الحاضن والاب لبعض القطاعات الهامة، ونقول هذا لأن بعض المتحمسين لنهج الخضخضة لا يتوقفون عند بعض القطاعات التي تعيش اوضاعاً صعبة مثل قطاع الزراعة، ويعتقد هؤلاء المتحمسون أن حسابات الدول تتم فقط بقدر انسجامها مع المحاولات الدولية سواء مع الدول او الهيئات المالية والنقدية، لكن الدول يفترض في ادارتها لشؤونها ان تمارس التوازن الايجابي لأن هيمنة القناعة بأن الحصول على شهادة حسن سلوك من الجهات الدولية هو الضرورة الاولى والاخيرة يعني اننا امام مشكلة، لان الدولة -أي دولة- مضطرة حتى دون قناعة ان ترضخ للمعادلة الداخلية في بلد مثل الاردن يجب ان تبقى تركيبة صناعة القرار واتخاذه من المؤمنين تماماً بالناس وقضاياهم وأولوياتهم، وان يكونوا من المؤمنين ان الدولة لا يمكن ان تنسحب من كل شيء، لأن الوصفة الدولية النظرية التي ترى في الدولة ذات دور رقابي وإشرافي هذه الوصفة لا تصلح حتى في اكثر دول العالم ليبرالية وانفتاحاً اقتصادياً.
في بلادنا لا يمكن الا ان تكون الدولة حاضرة حتى وهي تتبنى نهج الخصخصة واقتصاد السوق، واذا لم يكن لها قناعة بهذا فهي تمارس دورها بشكل اضطراري سواء عبر تكريس مؤسسات الاستدعاءات والمناشدات او المساعدات الخيرية او العلاج على نفقتها لغير المستفيدين او عبر التعويضات الى نهاية القائمة التي هي في محصلتها تمثل رقماً مالياً وعبئاً ادارياً وسياسياً.
الدولة مثل الاب والام لا ينتهي دورها حتى عندما يكبر الابناء، وتصبح لكل منهم استقلاليته وبيته, والعلاقة تتحول ايضاً الى تضامن متبادل، لكن البعض يحاول ان يقنعنا ان دولنا مثل العائلة الغربية التي تنفك اواصرها بعد دخول الابناء سن الثامنة عشرة فيفعل كل منهم ما يشاء وله حياة خاصة وليس ملزماً بأي علاقة مع ابويه الا ما تفرضه بروتوكولات الاعياد والمناسبات.
ما بين الاشتراكية المستغرقة في الهيمنة على الخصوصيات والليبرالية الاقتصادية التي تحول الدولة الى مراقب ومتابع, بين هاتين المدرستين حاجة لنا نحافظ من خلالها على الدولة ودور يتعاظم في مراحل يكون فيها قطاع اقتصادي, او فئة اجتماعية, يحتاج الى الاحتضان والدعم، ومرة اخرى لا نتحدث عن حضانة بلغة المساعدات والصدقات والعمل الخيري بل احتضان يتمثل في نهج اقتصادي وسياسي واجتماعي.
الدولة ليست شركة تحكمها معادلات الربح والخسارة بل هي وطن وشعب ومشاعر وانتماء وهوية، وعندما تزداد مساحة من يؤمنون بإن ادارة الدول تتم عبر تقارير مالية او ارقام خيالية من الروح نكون على موعد مع ازمة سياسية حقيقية، لأن هذا المنطق يعني ان يموت فداءً لوطنه شخص جاهل لا يعرف مصلحته، وان من يهتف لوطنه ويرفع العلم يضيع وقته لأن المردود المالي من وراء هذا لا شيء.
مرة اخرى الدول مثل الوالدين لا تنقطع او تزول عواطفها ومواقفها الفطرية الصادقة حتى عندما تتقدم اعمار الابناء، ولهذا يخطئ من يحاول ان يشوه هذه العلاقة تحت ضغط القناعة بالليبرالية الاقتصادية ليجعل من علاقة الأم مع ابنها وكأنها موظفة، واجبنا تقديم الخدمة للابن مقابل الأجر، وعندما يغيب الآخر ينقطع العطف. لا بد ان نحافظ على التوازن بين النهج الاقتصادي وبين ضرورة ان يكون للدولة دورها في الرعاية والاحتضان لأي قطاع يتعرض للأذى ويهدده الخطر، فالشعوب لا تترك لمواجهة المصاعب وحدها، وكما اشرت سابقاً فإن قطاع الزراعة مثلاً قطاع يحتاج الى ابوة واحتضان ليس بهدف المحافظة على سعر كيلو البندورة او الملفوف، بل لأننا نتحدث عن قطاع سياسي اجتماعي، وعن مفصل من مفاصل الدولة، وحتى لو انفقت الدولة على الصغار واصحاب الدخل المحدود فيه لدعمه فإنها ليست خاسرة لأنها ان لم تفعل هذا ضمن رؤية سياسية انفقت اكبر من هذا كثمن سياسي اجتماعي، وانفقت اموالاً عندما يتحول ابناء القطاع الى زبائن لصندوق المعونة والزكاة، وقطاع بطالة ومشكلات سلوكية.
بعيداً عن الاشخاص والنزاعات السياسية فإن مصلحة الدولة ان تبقى متوازنة في تركيبة دوائر صنع القرار بل ومنحازة الى المؤمنين بفكرة الدولة حتى وهي تمارس نهجاً اقتصادياً منفتحاً، ومؤمنين بأن لغة الاوطان ومعادلة الشعب والوطن ليست ارقاماً مجردة خالية من العاطفة، فالدول التي تخلت عن لغة الاب والام مع ابنائها لن تجده لغة الابن البار حين تحتاجها، ومن يحاولون الذهاب دائماً الى لغة الشركات لديهم الاستعداد للانتقال من شركة لأخرى لكن الابن ليس له إلا أب وأم واحدة.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية