أثار تقرير احدى المنظمات الاميركية حول اوضاع المسيحيين في الاردن غضب الاردنيين من جميع الكنائس والطوائف التي ردت ردا وطنيا وسياسيا على الاساءة التي هي اولا للمسيحيين وللدولة، ووضعوا ايديهم على الجانب الاهم حينما اشاروا الى مجموعات تبشيرية قدمت الى الاردن وترتبط بالخارج ومدعومة سياسيا وماليا من اطراف غير عربية، وتمارس التبشير بصورة رديئة، ما يثير المشكلات ويشعل النعرات الطائفية.
والتعصب او التطرف اصبح لغة عالمية كأداة من ادوات السياسة، ولهذا نشاهد اعادة اشعال النار في قضية الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد عليه السلام في الدنمارك، رغبة في اثارة القضية وتحقيق ما لم يكتمل عند نشر الصور للمرة الاولى، مما يدل على ان عملية النشر لم تكن موقفا فرديا او حرية تعبير، بل عدوان مع سبق الاصرار وقصد للأذى وتسعير النيران، وحتى الذين اعتبروا النشر اول مرة حرية تعبير، فماذا يقولون مع الاصرار على اعادة النشر وتكرار الصور؟ فالامر تعصب وتطرف تستعمله جهات سياسية ذات اجندة فكرية وربما عقائدية!
والتعصب يعيدنا الى الجهات التي تحدث عنها مجلس الكنائس واعتبرها جهات تبشيرية مدعومة من الخارج. والسؤال لماذا  يتم السكوت عنهم قانونيا وسياسيا، وعلى الرغم من حساسية اي تدخل تجاه هذه الاطراف؟ الا انه من الواضح انها لن ترضى لا عن الحكومة ولا عن المسيحيين الاردنيين، وانها تعتمد سياسة الابتزاز والضغط والاستقواء بالخارج، فهي جهات لا علاقة لها بأبناء الكرك ومأدبا والبلقاء والحصن وعجلون من المسيحيين، بل هي اجندة سياسية وجزء من مسار متطرف حتى في وجوده في الغرب، وحتى بعض الدلال والتسهيلات التي تقدم لهم هي بالنسبة لهم مواطئ قدم لمزيد من التغلغل والاساءة للاردن كدولة ولطوائف المسيحيين فيه.
وفي اطار حديثنا عن التعصب فإن الانغلاق بكل اشكاله تعصب، سواء كان سياسيا ام دينيا ام جغرافيا. فالمؤسسة التجارية التي يغلقها اصحابها على فئة سكانية او طائفة دينية مؤسسة متعصبة وتمارس نوعا من التطرف على شكل انغلاق وابعاد للآخر عنها، حتى لو كان الآخر من ذات الدولة او حتى الدين!
والتعصب يتجسد احيانا على شكل مدرسة تتحول الى مجتمع صغير مغلق على مجموعة سكانية او طائفة، والخطير ان يتحول هذا المجتمع المغلق الى آلية او وسيلة لتعزيز انغلاق وتعصب في مجالات اخرى، اي تتحول الى مكان لصناعة التعصب وتحويله الى تربية.
والتعصب في جزء منه نقيض للتسامح، اي ان لا يغفر البعض اخطاء الآخر، بل ويصنع لها منطلقات فكرية او سياسية او دينية، وافتراض سوء النوايا وراء كل فعل ما يدفع للتقوقع على الذات وصناعة التحصينات التي تبدأ من رفض التعايش الى بناء المؤسسات، وربما في بعض الدول امتلاك الميليشيات والاستعداد لقتل وقتال الآخر. ولهذا اوجدنا ميليشيات تحمي التعصب الديني واخرى تحمي التعصب الحزبي والسياسي او الجغرافي.
لن نكون مثاليين، لكنني اعتقد ان النماذج البسيطة هي التي تحمل الحل، لهذا عند دراسة العلاقة البسيطة في قرانا التي يختلط فيها المسيحي مع المسلم، والتداخل في اللهجة والطعام والشراب والمناسبات والعلاقة اليومية، يجعل من الصعب على اي سبب ان يجعل المسلم او المسيحي يشعر بذاتية وانغلاق قائم على الخوف من الاخر، وهذا لا يلغي احترام من كل شخص لدينه وعباداته وطقوسه الاجتماعية.
المتطرف الذي يفجر مبنى سكنيا او مدرسة او شارعا لأنه يعتقد ان من فيه كفار حلال قتلهم, هو نموذج متقدم لانغلاق اجتماعي او تربوي او اقتصادي، على اسس دينية او جغرافية، ومن يغلق بعض التجمعات لأنه يعلم من فيها ان الاصل هو سوء نوايا الاخر، من يفعل هذا يصنع تطرفا وتعصبا اذا وجد ارضية سيئة من الظروف السياسية قد يتحول الى تعصب مسلح او على الاقل يعتمد على مخزون حقد واختراق.
مرة اخرى سأعود الى قضية هامة، تظهر لنا في كل المشكلات، وهي ارتباط اي طرف بجذور وامتدادات خارج الحدود، سواء كان ارتباطا لمجموعة دينية او سياسية او جغرافية، والدولة التي تسمح لأشكال الارتباط ان تتعزز تفتح الباب واسعا لمشكلات ليس اكبرها استقواء المرتبطين بالخارج على دولهم ومجتمعهم وممارسة الابتزاز بكل مستوياته.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية