لعل من الانصاف ان نشير الى ان فكرة تأمين السكن لذوي الدخل المحدود كانت ضمن منظومة تفكير بتوجيه ملكي تم الحديث عنها في حكومة د. معروف البخيت، عندما تم حصر القضايا التي تستنزف دخل المواطن فكانت: السكن، الصحة، الديون، التعليم.. وكانت الفكرة ان توفير حلول لهذه المعضلات افضل للمواطن، وتحديداً موظفي الدولة والمتقاعدين، من زيادة قليلة على الراتب، وان كانت الزيادة ضرورية لمواجهة الغلاء وارتفاع الاسعار.
والسكن مشكلة لان الزيادة في الايجارات في السنوات الاخيرة اكبر بكثير من زيادة الدخل، فما كان يجري سابقاً ان اي موظف او عسكري يقوم اولاً ببناء صغير في قريته. هذا الأمر لم يعد كما كان سابقاً، بسبب قلة الاراضي ولزيادة اعداد الناس، ولهذا يضطر الموظف او العسكري الى استئجار بيت، وحتى في القرى اصبحت الاجرة (60) او (70) ديناراً.
وخلال العقود الاخيرة، كانت هناك مشاريع اسكان لابناء القوات المسلحة او التطوير الحضري او اسكان ابو نصير، لكن بعض هذه المشاريع مضى عليها زمن طويل جداً، كما ان صندوق الاسكان العسكري الذي قدم خدمات جليلة اصبح مع ارتفاع كلفة السكن لا يؤدي ما هو مطلوب منه. فالقرض للضابط (20) الف دينار يأخذها بعد خدمة طويلة، ولم تعد الان تكفي لشراء شقة صغيرة او حتى قطعة ارض، والافراد يتقاضون الان (7500) دينار، قد لا تكفي دفعة اولى لشقة صغيرة، اما المعلمون فهنالك مشروع قرى المعلمين الذي يبدو الان بطيء المسير.
المبادرة الملكية للاسكان فكرة كبيرة، وتحمل مضامين عميقة من التعاطف والتضامن لتوفير بيت لذوي الدخل المحدود وابناء الجهاز المدني والعسكري عاملين ومتقاعدين، وجوهر الفكرة ان يمتلك الفرد بيتاً يكفيه استنزاف الراتب للايجار. ومن الواضح ان تفكير الملك باتجاه ايجاد حل استراتيجي لاصحاب الدخل المحدود. وهذا مسار ايجابي يفترض ان تتم ترجمته بالاجراءات.
لن تتمكن الحكومة من توزيع الشقق مجاناً، بسبب تكلفتها، ولان من سيقوم بالبناء هو القطاع الخاص، وفرحة المواطن بهذه المبادرة الملكية لا يجوز أن تقلل منها التفاصيل. فالحكومة مشكورة ستقدم الارض والبنية التحتية، لكن ربما عليها مراجعة التكلفة او البحث عن وسائل للتخفيف منها، فإذا كانت الغاية وقف استنزاف الراتب فإن مدة عشرين عاما فترة طويلة تذهب بمن سيأخذ الشقة الى الخمسين او الستين من عمره، كما ان ثلث الراتب ايضاً نسبة كبيرة من الدخل المحدود فمن يتقاضى (300) دينار او (250) دينارا، مثلاً، سيدفع (100) او (85) ديناراً، وهذا مبلغ كبير، بخاصة ان القيمة الشرائية للراتب تقل مع كل وجبة ارتفاع اسعار.
هذه الملاحظات سمعتها من الناس خلال اليومين الماضيين لا تقلل من جوهر المبادرة او ضرورتها او المواقف الكريمة، لكنها دعوة للحكومة للبحث عن اي طريقة لان تترجم التفاصيل بصورة كبيرة جوهر المبادرة. فالناس تريد بيوتاً، وتعلم ان الحكومة لا تستطيع منحها مجاناً، لكن حتى تكون المبادرة والاستراتيجية تحقق الغاية فان التفاصيل مهمة جداً، وبخاصة ان الفئة المستهدفة تؤثر على حياتها خمسة وعشرة دنانير.
سنعود للوراء إلى فكرة مساكن الفقراء التي تبناها الملك فشكلت نقلة نوعية لفئة محرومة من الاردنيين. ولم يكن الامر مساعدة انسانية فقط، بل شكل اعادة اعتبار لحق هؤلاء في حياة انسانية، وقد كان الناس يسمعون عن بيوت وفلل للكبار الذين لا يحتاجون، لكن منح بيت لاسرة معدومة في وادي عربة او المفرق او الاغوار عبّر عن منهجية ملكية واضحة.
ان تكون هناك استراتيجية للاسكان ولذوي الدخل المحدود فهذه خطوة كبرى، لكن العناية بالتفاصيل تجعل منها اقرب الى تحقيق شعارها "سكن كريم لعيش كريم".

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية