المناسبات والمحطات الكبرى في تاريخ الدول والشعوب لا تفقد بريقها وقيمتها مع مرور السنوات، بل ان الزمن يجعل المنصفين والمتابعين يدركون مزيدا من دلالات هذه المناسبات، ومنها الذكرى التي تمر بنا اليوم الاول من آذار، ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي الاردني. الذكرى التي تحمل في ثناياها قرارا تاريخيا اتخذه الحسين رحمه الله باتجاه اعطاء المؤسسة العسكرية تخلصا من نفوذ الاجنبي، وتقدم الضباط الاردنيين لقيادة جيشهم وحمل مسؤولية المؤسسة الاهم في صناعة الاستقرار والأمن والتنمية.
وما تسجله شهادات من كانوا فاعلين في تلك المرحلة ان الملك الراحل مثّل في قراره نبض الشارع ورغبة القوات المسلحة وضباطها في التخلص من القيادة الاجنبية، وكانت المرحلة دقيقة وصعبة وكانت مخاوف الحكومة آنذاك من اتخاذ هذا القرار كبيرة تحسبا لنتائجه، لكنه قرار عبر عن تطابق المسارات والرغبات بين الناس والملك، قرار اتخذه قائد لم يتجاوز عمره (22) عاما، لكنه استطاع ان يجعل من الأول من آذار من عام 1956، يوما وطنيا يحتفل به كل اردني، ويفتخر به كل مواطن، ويشكل منعطفا في مسيرة الجيش العربي الاردني.
التعريب ومعركة الكرامة وغيرها من المناسبات ليست مُلكا للحكومات او احتفالات رسمية، بل يفترض بكل جهة او هيئة وكل مواطن ان يحتفل بها او يتوقف عندها إكبارا واعتزازا، لأنها تعبير عن هوية الجميع، ويفترض ان تقدمها الجهات المعنية الى الناس والاجيال بحيث تصبح جزءا من الثقافة والتربية والإعلام. ولعله حديث كررته كثيرا في الدعوة الى الاقتداء بالتجربة المصرية والسورية في تجسيد المناسبات والاحداث الوطنية عبر اعمال درامية، جعلت من ابطال تلك الاحداث، قدوة لأطفالنا فضلا عن اطفال الدول الشقيقة. وكم كنت سعيدا وانا استمع قبل فترة الى مسلسل اذاعي على الاذاعة الاردنية يتحدث عن تعريب قيادة الجيش العربي، وهو عمل كتبه الفنان الاردني محمود الزيودي، وكم كان الامر عظيما لو شاهدنا في هذا الذكرى عملا تلفزيونيا، او مثله في ذكرى الكرامة وغيرها من المناسبات الوطنية.
وما دمنا في ظلال المناسبة فإنها فرصة لبعض الوفاء تجاه الجيش العربي وشهدائه الابرار ورجاله الذين لهم مآثر على ارض فلسطين والكرامة, رجال لا يعرف عنهم ابناؤنا وبناتنا الا القليل لكن لكل منهم حكاية ومواقف تصلح للتدريس والتعليم، اذا اردنا ان نعلم اجيالنا الوطنية والانتماء وحب الناس والتضحية.
ومن حق الجيش علينا ان نؤكد على دوره الذي لا يختلف عليه احد. هذا الجيش مثّل حضنا دافئا لكل الاردنيين، وكان وما زال مصدر الخدمة المثلى لمنتسبيه ومتقاعديه وعائلاتهم من حيث التعليم والتأمين الصحي، وهي المؤسسة التي تحتوي الكفاءات واصحاب التأهيل والخبرة، وهو "ملح الأرض" الذي لا تصلح من دونه، وهو المؤسسة التي يجدها الاردنيون اذا ما احتاجوها في الأمن والتنمية والخدمات، وقبل هذا وبعده في تاريخهم ومحطاتهم.
القضية ليست في ان نكتب الانشاء والمديح بحق القوات المسلحة، لكنه حد ادنى من الوفاء، وهو حديث لنذكر بأن علاقة المواطن مع هذه المؤسسة مثل علاقته مع الوطن خالية من التردد او اي امر سلبي.
وربما على كل من يشعر بالحرج في علاقته مع مثل هذه المناسبات الوطنية ان يتجاوز تلك الحالة، ونرى احياء هذه المناسبات في كل احزابنا ونقاباتنا وجمعياتنا الخيرية واتحادات الطلبة. فليس هناك في عرف الاوطان مناسبات للحكومات ومناسبات للمواطنين واخرى للمعارضة ورابعة لغيرهم. فالمناسبات الكبرى للجميع يحتفي بها الجميع لأنها ملك للجميع.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية