جزء اساسي من مشكلاتنا ان بعضنا يمارس اللغة العربية وفق ما يريد. فالمثال الاخير كان اعلان صنعاء الذي تم توقيعه بين وفدي فتح وحماس، وقد قرأته السلطة أنه للتنفيذ وتنازل حماس عن غزة، بينما قرأته حماس أنه اساس للحوار، مع ان النص مكتوب باللغة العربية، الا اذا كان لكل طرف فلسطيني لهجة مختلفة قرأ بها الكلام المكتوب.
اطرف ما سمعته من تعليقات على هذا الاتفاق الشكلي انه اشبه بالتعهد الامني او البراءة التي كان يوقعها بعض اعضاء التنظيمات المحظورة لدى الجهات الامنية في بعض الدول حتى يخرجوا من المعتقلات، اي توقيع لانهاء الاجتماعات في اليمن، او مجاملة القيادة اليمنية التي قدمت المبادرة بحرص عربي، لكن من وقعوا ارادوا ان "يلموا الطابق"، فقط ليعود كل منهم الى مكان اقامته.
بل ان سلطة رام الله دخلت في خلاف داخلي وجعلت من توقيع رئيس الوفد سلوكا شخصيا. اما الطرف الاسرائيلي فكان وحده الذي قرأ الحالة باللغة العربية، فهو يعلم ان ما بين فتح وحماس لا ينهيه اتفاق او توقيع لكنه اراد ان يضع لمسته على الامر فوجه تحذيرا الى محمود عباس بأن اتفاقه مع حماس سيعني توقف المفاوضات، وبدلا من ان يخدم اصدقاءه في الرئاسة قدمهم وكأنهم ارتدوا على التوقيع استجابة للرغبة الاسرائيلية.
القراءة الصحيحة باللغة العربية ليست مقتصرة على اتفاق اليمن! فالقرارات العربية في معظمها يتم التوقيع عليها من دون قراءتها باللغة العربية، لأن من هم مكلفون بالتوقيع يعلمون ان الامر ليس لغايات التطبيق، بل هي بروتوكلات الاجتماعات، وحتى عند القراءة فلكل تفسيره للغة.
والقراءة باللغة العربية لم تكن واضحة لمن قال وكتب تصريح مستشار الامن العراقي قبل ايام، عندما قال: ان الحرب على العراق كانت مبررة رغم كل "الضحايا" من الجانب الاميركي والعراقي. فأية لغة يكتب بها اي شخص تبريرا لعدوان واحتلال وطن، ويعتبرها حربا مشروعة ومبررة، بل ويصف قتلى الجيش الاميركي بالضحايا، فهل كانت لغة التصريح عربية ام مترجمة، وبأي الاحوال فان المهم ان نقرأه بالعربية الفصحى، لاننا قد نجد من يقرأه لكن يفسره وكأنه يترجمه من اللغة الاولى في الكون.
هنالك اشياء تحتمل التفسيرات المتعددة لكن هنالك قضايا لا تحتمل الا معنى واحدا. لكن تعدد التفاسير يعود الى اختلاف النوايا، فمن يوقع على شيك او كمبيالة وفي نيته عدم التسديد او التحايل لا يتوقف عند قيمة المبلغ او تاريخه ولهذا يقرأ الشيك والكمبيالة بلغة النوايا التي يحملها. ولهذا فالامر ليس خاصا بالنصوص، سواء للاتفاقات او القرارات او التصريحات او حتى النصوص الدينية، فالعبرة بالصدق والنوايا وجدول المصالح، فمن كانت نواياه حسنة قرأ بلغة صحيحة، ومن كانت نواياه ومصالحه باتجاه مختلف قرأ بلغة غير صحيحة.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية