بعيدا عن القرارات والتشريعات فإن في ادارة الدول عقليتين او اكثر؛ منها العقلية والنهج الذي يذهب مباشرة الى المواطن ليجد فيه وعلى حسابه الحل، ونتحدث هنا بشكل مباشر عن القضايا الاقتصادية، ولهذا تطرح افكار واقتراحات وعند البحث عن التمويل يكون الحل تشريعا او قرارا يفرض ضريبة او يحرم المواطن من حق له على الدولة.
القانون الاخير الذي اقره مجلس النواب والخاص بدعم الثقافة تضمن مادة فرضت 5% من قيمة الاعلانات في الصحف وكل وسائل الاعلام دعما لصندوق الثقافة، طبعا هذه النسبة من قيمة الاعلانات لن يدفعها المعلن ولا الجهة التي تنشر الاعلان بل ستضاف الى قيمة الاعلان اي يتحملها الناس، وهناك الان نسبة 1% حصة نقابة الصحفيين يدفعها المواطن المعلن، اي ان قانون دعم صندوق الثقافة فرض ضريبة جديدة لصندوق جاءت به الحكومة لدعم الثقافة فلماذا تذهب دائما نحو المواطن ليكون الحل؟
كان من الممكن ان يكون هناك دعم من مؤسسات القطاع الخاص او الحكومة او استقبال التبرعات لكن فرض ضريبة أمر يتناسب مع العقلية التي تذهب للمواطن وجيبه، فمن ينشر اعلان تهنئة لابنه اذا نجح فعليه (التبرع) قسرا لدعم الثقافة، ومن ينشر اعلان نعي عليه ذات الضريبة.
وذات العقلية هي التي جاءت بقانون في اواخر عهد المجلس النيابي السابق فرض ضريبة على المواطن لدعم صندوق ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال اضافة (5) دنانير على معاملات استخراج الوثائق من دائرة الاراضي، فمن يريد استخراج سند تسجيل برسم قيمته (120) قرشا يدفع اضافة لها (5) دنانير، فالمواطن يقوم بالتبرع اجباريا لصندوق ذوي الاحتياجات الخاصة، وحتى فاتورة ترخيص السيارة عليها رسوم للمعاقين. والمثال الثالث قضية كتبت عنها عدة مرات حول حرمان الحكومة المتقاعدين العسكريين والمدنيين الذين يتقاضون تقاعد ضمان اجتماعي من حقهم في الزيادة الاخيرة فأعطتهم (50) دينارا وهم يستحقون (80) دينارا، وهؤلاء من الفئة التي تستحق كل دينار، والمبرر وجود عجز في الموازنة وكأن على الفقراء ان يحلوا مشكلة عجز الموازنة.
نتحدث عن العقلية التي يتصرف بها البعض ويبحثون عن الحلول دائما في جيب المواطن، ومنها فكرة دعم الاعلاف عبر ضريبة على المواطن، وهكذا فإن التفكير دائما بالاتجاه السهل لكنه الصعب. والغريب ان هذه الضرائب يتم فرضها بمبررات اما انسانية او معنوية او لدعم الادب والفن والشعر، أي ليست الارقام، لكن عندما يتم رفع الدعم عن اي سلعة او مادة تتحدث الحكومات بلغة الارقام وتتناسب الابعاد الاجتماعية والسياسية للقرارات، ويسمع الناس ارقاما حول اسعار النفط العالمي او عجز الموازنة، فلماذا لا تمارس هذه اللغة عند فرض ضريبة جديدة لدعم الثقافة او المعوقين او الاعلاف او الجامعات او التلفزيون.
اذا كانت الحكومات ومعها البرلمان ترى ان الثقافة بأزمة وتحتاج الى دعم فليكن الامر ليس عبر ضريبة اجبارية، وكذلك ما قبله سابقا فإن كانت قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة تحتاج الى دعم فليس من جيب المواطن، فالمواطن يدفع ضريبة مبيعات وضريبة ودخل، وضرائب على الضرائب، وهناك بند ضرائب او رسوم اخرى تظهر في بعض المعاملات الرسمية.
هنالك احيانا ظروف صعبة تمر على الدول يتفهمها المواطن، لكننا نبحث عن عقلية ونهج لدى المسؤولين ومجالس الامة لا تؤمن ان اقرب الطرق للتمويل هي الطريق نحو راتب المواطن وجيبه، فهذه العقلية ليست فقط نهجا اقتصاديا بل مدرسة سياسية، وهي مدرسة تؤمن بقوة الدولة والحكومات، وان التواصل بين المواطن والمسؤول ليس نشاطا خارج اوقات الدوام الرسمي بل عمل سياسي، وتؤمن ايضا ان البيع لممتلكات الدولة يختلف عن الخصخصة.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة