من حق مسؤولي منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ان يتحدثوا عن استثمارات وصلت الى (8) بلايين خلال السنوات الماضية، ومن حقهم ايضا ان نُسجِّل لكل صاحب انجاز عمله واجتهاده وإخلاصه. لكن هذا الحق ترافقه حقوق اخرى تحملها قناعات الناس، ومنها الخوف مع كل مشروع سياحي جديد من فنادق وفلل وشقق وقرى سياحية على تلك السياحة الرخيصة التي تتناسب مع رواتب الاردنيين ودخولهم.
وكما قال احدهم فإن كل مبنى سياحي جديد على الشاطئ يقلل مساحة رمال العقبة وحجارتها التي يمارس عليها الناس السياحة، سواء بالجلوس امام البحر او في مقهى شعبي يقدم الشاي والكاكاو بربع دينار او ثلاثين قرشا او شراء "شعر البنات" للاطفال، او حتى ان يأتي المواطن من اي مدينة بأطفاله ليأكل الترمس و"البليلة" او معه سندويشات الفلافل ويقنعهم انهم يمارسون اقصى اشكال المتعة السياحية، وهم يشاهدون البحر او يقتربون منه ومن خلفهم صراخ امهاتهم.
ليس سراً القول ان كل المشاريع السياحية والفلل والشقق في المشاريع القائمة لا تخص عامة الناس. فالحديث هو عن اسعار بشعرات ومئات الآلاف، او حتى اسعار لإشغال غرفة لليلة في احد الفنادق الكبرى بكلفة تصل الى نصف راتب موظف هذا دون يأكل ويشرب.
نفهم ان السياحة تحتاج الى فنادق وقرى سياحية، لكن لنعترف ان الاردنيين باستثناء الاثرياء او من يأتون بدعوات رسمية لا علاقة لهم بكل هذا، وربما يكون الرقم، الذي يتحدث عنه رئيس سلطة العقبة، وهو نصف مليون سائح يشمل الاردنيين الذين يحتاجون الى سياحة تتناسب مع دخولهم، فمن يدخل جمعية مع زملائه او نساء الحارة ويجمع (300) دينار يريد ان يحصل من خلالها على ليلتين مع اطفاله بتواضع، وطعام غير برجوازي يتخلله وجبتا عشاء من ساندويشات الفلافل، ويعود الى بيته حاملا عددا من اكياس المكسرات وزجاجة "عطر" وغطاء (حْرام) مفرد وكرتونة عصير.
الناس يلتفون احيانا على رواتبهم، فنجد حتى من ابناء القرى من يستأجرون باصا يذهبون به منذ الصباح الى العقبة، لكنهم يقضون نهارا شاقا ما بين السفر او المشي في الاسواق واللجوء الى المساجد لغسل الوجه واستعمال مرفقاته، ويقومون بشراء بعض الاغراض من (حرامات) وعصير ومكسرات، ويعودون الى بيوتهم، لكن كل واحد منهم يحتاج الى يومين اجازة للتخلص من تعب يوم الرحلة والاستجمام.
نخشى على ما بقي من رمال وحجارة الشاطئ المحدودة. فاستمرار زحف المشاريع الكبرى قد يقلص المساحة المتبقية. وكل ما يتم بناؤه ليس لنا ولا طاقة لنا باستعماله او زيارته الا عبر النشرات، وربما تحت ضغط التسهيلات للمستثمرين، نجد بعضا من هذه الحجارة تباع او تؤجر لمشروع جديد، او يصبح دخول هذه الاماكن الشعبية استثمارا وتذاكر ورسوما، تماما مثلما هو الامر على البحر الميت، حينها ربما يكون من المناسب ان يتم نقل البضائع من مكسرات و(حرامات) وعصير وزجاجات عطر الى عمان والمدن الاخرى، لأن الناس لن ترى البحر، ولن تستطيع حتى ان تمارس الصراخ على اطفالها، وهم يضعون اقدامهم في المياه.
العقبة احدى مقدرات الاردن، التي لا خيار لنا الا باستثمارها لرفع سويتها الاقتصادية، لكنني اشير في النهاية الى قضيتين هامتين نتمنى ان تكون في ايجازات المفوضية العام القادم: الاولى ترجمة اسماء المشاريع ورأسمالها الى فرص عمل حالية ومستقبلية للاردنيين، فالاستثمارات في جوهرها فرص عمل، فكم وفرت وستوفر لشبابنا وشاباتنا وليس للعمالة الوافدة، والامر الثاني لماذا مازالت الاستثمارات الصناعية محدودة فهل يعود هذا للقانون ام البنية التحتية او لضعف التسويق؟!
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة