نعود مرة اخرى الى الحالة الاخوانية الداخلية لكن بعيداً عن السياسة والتصنيفات والتيارات. فهنالك ازمة كبرى اهم من كل هذا، وهي الازمة الاخلاقية وانخفاض مستوى القيم في ادارة العلاقات بين الطبقات القيادية داخل الجماعة والحزب ولنقل معظمها.
قد لا يعجب هذا التشخيص البعض، لكن من يتابع عن قرب مسار الجماعة خلال العقدين الاخيرين يدرك ان هذه الثغرة كبرت وتعاظمت، فأوجدت حالة داخلية خالية من كل القيم النظرية التي قامت عليها الجماعة. وما زاد الامور سوءاً ان هذه المشكلة الكبيرة لم تجد طريقها للحل، بل لم تحظ بأي اهتمام، وانشغل الجميع بالخلافات السياسية والمصالح الشخصية، سواء كانت داخل مؤسسات الجماعة او مجلس النواب، ولو كان الامر مجرد استهداف من الحكومات للاخوان لكان هذا عامل تماسك اضافيا لصفوف الجماعة.
قيادات الجماعة الحالية والسابقة تعلم كيف اصبحت الكثير من المجالس فقط للغيبة والنميمة والتآمر، واكل الاخ لحم اخيه، وكيف اصبحت الانتخابات التنظيمية مواسم غير اخلاقية من دفع الاشتراكات والتحريض والاتهامات، وان كل موسم يخرج من التنظيم خاسراً، واخرها مثلاً الانتخابات النيابية الاخيرة التي يفترض نظرياً ان تشد اوصال الجماعة، لكن بسبب التآمر الداخلي من كل التيارات فقد البعض فرصهم في الفوز، وقُدِّمت خدمة جليلة للحكومة. وحتى القائمة التي اعلنتها الجماعة صدرت بحقها احكام من بعض رموز الجماعة والحزب بأنها جاءت استجابة لشروط الحكومة، وهذا يعني ببساطة اتهام القيادة الجماعة بأنها اداة بيد الحكومة!
قبل يومين نشرت "الغد" تصريحاً لامين عام حزب الجبهة يقول فيه ان الحكم التنظيمي الذي صدر بحقه استجابة لاملاءات امنية وحكومية، اي ان قيادة الجماعة تنفذ تعليمات الاجهزة الامنية والحكومية، فتحاكم بعض قياداتها؟
هذه الظاهرة ليست جديدة. فمنذ التسعينات، ما جرى في الانتخابات النيابية عام 1993 وبخاصة في بعض الدوائر التي اكتظت بمرشحي الجماعة كان اشد مما يحدث اليوم، وهنالك شخصيات قيادية مارست عمليات حرق الخصوم، اما بالاشاعات والمحاكم الداخلية، والبعض كان يقابل خصمه بالمدائح وفي ظهره يصفه بالشيطان، واتذكر شخصية قيادية رفيعة عام 1997 كانت تتهم نائب المراقب العام انذاك بالعمالة لجهات اجنبية وداخلية.
الحكايات كثيرة، لكن جوهرها ان المشكلة في منظومة القيم التي تحكم العلاقة داخل الطبقات القيادية. والمشكلة لدى كل التيارات، واي قيادة، ستسخر داخل الجماعة او الحزب وتنعدم الثقة، والجلسات اتهامات، سواء كانت الاتهامات حقيقية ام مختلفة.
المشكلة كبيرة، لان وجود عملاء داخل اي قيادة كارثة، والجرأة من قيادي على اتهام (اخوة) في ذات القيادة كارثة ايضاً. بل ان السؤال كيف يعمل شخص مع شخص لا يثق بولائه واخلاقه! وهذه المشكلة الكبرى هي التفسير الحقيقي لان تجد شخصاً مثل المراقب العام السابق يتحول من الرمز الاول للجماعة إلى شخص يُتّهم داخل الجماعة بانضباطه، بسبب قبوله موقعاً رسمياً.
الطبقات القيادية تعاني من انعدام الثقة فيما بينها والجميع يمارس الاستباحة للاخر. وحتى مع وجود خلاف سياسي بين التيارات القيادية فإن المشكلة الكبرى التي تأكل في التنظيم وتحديداً هيئاته القيادية هي مشكلة قيم وثقة. ومن يعرف التنظيم يعرف هذه الحقيقة الكبرى، حتى من سيفاجأ ولا يعجبه هذا التشخيص فعليه ان يبحث وسيجد ان الحل بالذهاب نحو هذه المشكلة.
الجماعة ليست بحاجة الى تيار معتدل او متشدد او مقرب من الحكومة او من حماس، بل الى تيار مقرب من القيم الاخوانية التي غابت في طبقات القيادة. ومرة اخرى فكل التيارات مارست هذه الاخطاء والخطايا وما تزال.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية