الجهات الرسمية عندما تنشر خبرا عن ضبطها كميات من الأغذية أو الأدوية الفاسدة تشعر بالإنجاز وهذا حقها. لأن ضبط أي كمية فاسدة يمثل إجراء وقائيا لحفظ حياة الناس، لكن للصورة جوانب أخرى تخطر على البال مع كل خبر تقرأه. فعندما اقرأ مثلا خبرا نشرته "الغد" قبل يومين عن ضبط طن ونصف من الدجاج الفاسد والمصاب بمرض السالمونيا في محافظة الكرك أتخيل الجزء الآخر من الخبر، وهو ماذا لو لم يتم ضبط هذا الدجاج الفاسد، فهذا يعني ان مئات المواطنين كانوا سيتناولون هذه المئات من كيلوات الدجاج، إما في مطاعم أو مع عائلاتهم أو في مناسبات اجتماعية، وهذه الكمية الاخيرة طن ونصف أي "1500" كغم من الدجاج كان يملكها شخص واحد تمت إحالته الى القضاء، كما يقول الخبر.
وبين الحين والآخر يقرأ الناس أخبارا عن ضبط كميات كبيرة من المعلبات أو اللحوم الفاسدة أو الادوية المنتهية مدتها, وكلما قرأت الخبر تخيلت لو أن هذه الكميات وصلت الى الناس فاستهلكوها قبل أن يتم ضبطها. لكن السؤال الآخر هل كل الفاسد من اللحوم والدجاج والدواء والمعلبات يتم ضبطه أم أننا نتعاطى كميات كبيرة مما لم يتم ضبطه دون أن ندري، وتدخل حياتنا ونحن نعتقد أننا نشتري بضائع جيدة!
المواطن لا يمكنه أن يكون خبيرا باللحوم وأساليب تزوير مواعيد الصنع وانتهاء المدة للمعلبات أو إن كان الدجاج مصابا بمرض أم "شخصا" محترما يصلح لتزيين المقلوبة وصواني البطاطا! وحتى ما تأكله في المطاعم فإن ازدياد الغش والعبث بقوت الناس يجعل أحدنا يلتفت حوله كثيرا وهو يضع في فمه لقمة: هل هي قادمة من دجاجة صالحة أم فاسدة!
كنا قديما نشاهد في المسلسلات المصرية قصصا عن "حيتان" الفساد الذين يبيعون الأغذية والمعلبات الفاسدة، وبعضهم وصل به الأمر الى بيع لحم الحمير والكلاب من شدة الطمع، لكن يبدو أن مجتمعات اخرى، ومنها مجتمعنا، بدأ يشكو من هذا النوع من الفساد، الذي لا يجعل أحدنا يخاف على صحته فقط، بل يجعله يشك في كل ما يشتري، وحتى التاجر الصادق والملتزم بالقانون يصيبه الظلم والأذى نتيجة سلوكيات الفاسدين.
قديما كان الناس عندما يريدون الحديث عن عقوبة لاذعة يقولون إن فلانا تمت معاقبته على باب الجامع أو بعد صلاة الجمعة، والعبرة في الردع والعلنية التي توقف الخطأ، لهذا فنحن بحاجة الى تشريعات وإجراءات تكسر يد أو قدم الفاسد على باب الجامع، لأن احدى مشكلات الفساد أن عقوباته غير رادعة، وما يحصل عليه الفاسد من مكاسب تكون العقوبة مقابله رمزية يمكن تحملها. نحتاج الى عقوبات يصبح فيها الفاسد عََلما يعلم كل الناس فساده، ليس في هذا المجال بل في كل أنواع الاعتداء على حياة الناس وصحتهم.
ليكن "باب الجامع" عنوانا مهما أي العقوبة الرادعة والعلنية. فمن يتاجر بأدوية فاسدة يستحق أن يعاقب علنا, ومن لا يتردد عن إطعام الناس الطعام الفاسد أو اللحوم النافقة أو الدجاج المريض لا يفكر الا بأرباحه وطمعه يفترض أن لا تتردد الحكومات بعقابه علنا.
سيقول البعض وهل مشكلتنا فقط في هذا النوع من الفساد؟! والجواب واضح بأن المشكلة في كل الأنواع. وباب الجامع يجب أن نستعمله لردع كل الفاسدين.
الردع هو المطلوب؛ فالتشريعات يفترض أن يتم إعادة النظر فيها، كلما أخذت الجرائم أشكالا جديدة، وزادت مساحتها أو ازدادت أساليب التحايل على الناس والقانون.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة