يفقد اي خطاب اعلامي او سياسي رسمي قيمته وتأثيره حين يتجاوز ذكاء الناس ومعاناتهم الملموسة وقضاياهم التي يعيشونها، ولهذا فمن يملك مفاتيح صياغة الخطاب الاعلامي والسياسي الرسمي يفترض انه يكتب للناس ولا يكتب عملاً فنياً او مسلسلاً او فيلما، فالناس تستطيع ان تقبل ما هو منطقي وترفض بل وتسخر من اي خطاب اعلامي يكون على الطريقة الاميركية مكتظ (بالاكشن) والحركات والبهلوانيات.
الناس تتحدث في مجالسها عن الاسعار وارتفاعات على كل السلع والخدمات، والجهات الرسمية تقدم رؤيتها ووجهة نظرها، وتحاول اقناع الناس بهذا وهذا سياق طبيعي، لكن ما هو غير طبيعي ان يعتقد بعض اهل الاعلام والسياسة الرسمية ان الوعود ورفع سقف التوقعات والحديث عن اجراءات قادمة ستخفف الاعباء هي السبيل للحصول على مكاسب سياسية. من الممكن لاي جهة رسمية ان تقدم اخباراً وصياغات تحمل الوعود او حديثا عاما عن تخفيف الاعباء، لكن يجب ان تكون الوعود قابلة للتحقق، لكن ان نتحدث عن وعود في خبر ثم نجد على مسافة عدة سنتميترات من ذات الخبر اخباراً عن ارتفاع سعر البنزين او اي سلعة اخرى فهذا يمثل مدخلاً لردود فعل سلبية.
بعض الاشياء لا تحتاج الى التذاكي او افتعال الانجازات فهي تتحدث عن نفسها، فعندما اصدر الملك قبل اقل من شهر توجيهات للحكومة بتأجيل رفع الدعم عن الغاز والاعلاف لم يكن الخبر يحتاج الى اي خدمة اعلامية لانه بالنسبة للناس امر ملموس واثره الايجابي واضح، وعندما تتخذ الحكومة قراراً بتخفيض او ازالة الرسوم الجمركية عن بعض السلع الاساسية فهذا امر ملموس ولا يحتاج الى اي خدمة اعلامية، والناس تستطيع ان تقرأ جيداً الانجاز والخدمة التي تقدم لها، اما عندما يعتقد البعض ان صياغة خبر بشكل ما يحقق انجازاً سياسياً او يجلب ردود فعل شعبية ايجابية فهذا اعتقاد خاطئ لان الناس تتعامل بشكل واقعي، وفي القضايا التي يعيشها المواطن يكون تأثير الصياغات الاعلامية والسياسية ليس مهماً بقدر اهمية المضمون.
علينا ان نتذكر ان الواقعية تعني عدم رفع سقف التوقعات لدى الناس من خلال الخطاب الاعلامي والسياسي، اي ان يكون حجم القادم من اجراءات يتناسب مع ما يمكن فهمه من اي خطاب سياسي واعلامي، ولعلنا نتذكر مثالاً بعيداً لكننا دفعنا ثمنه في التعسينيات عندما رفع البعض سقف التوقعات الاقتصادية من عملية السلام لغايات التسويق السياسي لنكتشف جميعاً بعد ذلك ان الامور كانت تحمل مبالغة وتهويلا بعيدين عن الحقائق، طبعاً مثال ارتفاعات الاسعار مختلف لكن القاسم المشترك هو عقلية اي جهة رسمية تتولى صياغة الخطاب الاعلامي لهذه القضية، ولنتذكر ان رفع سقف التوقعات امر يخلو من الحكمة، فالمسافات قصيرة بين الوعد ولحظة تحققه.
قد يكون رفع سقف التوقعات او الصياغات الاعلامية يعود الى رغبة في تحقيق مكتسب سياسي، لكن المشكلة ان الاثار تكون عكسية، ولهذا فأفضل طريقة للتعامل مع الاردنيين هي الوضوح واحترام ذكائهم، اما غير هذا فلا يجلب لاصحابه الا السخرية، وعلى الاقل لا يحقق الهدف المراد منه.
اذا كان لدى الجهات الرسمية شيء تقدمه لتخفيف الاعباء عن الناس فلتقدمه دون اكسسوارات او مبالغات، وان كانت قد قدمت كل ما لديها فليس من الضروري تضخيم بعض الامور العادية او الاستعاضة عن الانجاز بالوعود والصياغات الاعلامية والانشائية، فلا يجوز ان نجمع على الناس الاعباء الاقتصادية ومبالغات او خطابا سياسيا واعلاميا غير مكتمل.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة