يرى بعض اهل الخبرة في السياسة واستراتيجيتها ان كيان الاحتلال الصهيوني يمارس استراتيجية تقوم على امور اهمها شراء الوقت او تضييعه, اي تمرير سنة بعد اخرى دون تحقيق تقدم في المفاوضات. وعندما تكون مصلحة اسرائيل في الحرب والعدوان تمارسهما ثم تعود بعد ذلك للحديث عن المفاوضات.
لكن الوصف الحقيقي ليس "شراء الوقت" بل بيع العبث, وهذا الامر تمارسه اسرائيل باحتراف مع كل الجهات, لهذا استطاعت ان تجعل الجبهة الفلسطينية عاجزة عن ممارسة خياراتها, وهنا نتحدث عن هذه الجبهة بشقيها المؤمن بالمفاوضات او المؤمن بالمقاومة.
اسرائيل باعت العبث للسلطة الفلسطينية منذ اوسلو, فاللقاءات والاجتماعات والخطط والمبادرات تملأ الآفاق لكن من دون جدوى, ولو وقفنا عند اللقاءات التي عقدت منذ عام فقط بين عباس واولمرت او بين بعض العرب واسرائيل ومعهم الاوروبيون واللجنة الرباعية والادارة الاميركية لوجدنا امامنا عشرات اللقاءات والمحصلة هي العبث, فعباس، وسلطته، لا يقدم لشعبه شيئا يثبت ان ما يتبناه من نهج المفاوضات قادر على ان يحقق شيئا في الاتجاه الاهم وهو اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, فالسلطة لا تسير نحو التحول لدولة حقيقية بل يتم تفريغها من مضمونها باستثناء الالقاب وأعداد الوزراء والامناء العامين والاستثمارات الخاصة.
اما قوى المقاومة المتمركزة في غزة والتي تقودها حماس فان حكومة الاحتلال عملت منذ البداية على تعزيز الانقسام الفلسطيني حتى جاء الانقسام الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة, ثم عملت حكومة الاحتلال على إغراق سلطة غزة، من خلال الحصار والعدوان والاجتياحات، في دوامة القضايا الحياتية من بحث عن بنزين وغاز وخبز ودواء, فعندما تكون اي سلطة وبخاصة بضعف السلطة الفلسطينية في غزة, او رام الله فانها تغرق في حاجات الناس وضيق الحال, فكيف عندما يكون الحصار صعبا وقاسيا, فعندها ستذهب سلطة غزة باتجاه حل المشكلات, وهذا لا علاقة له بالنوايا الصادقة تجاه المقاومة.
والمفارقة ان الاحتلال يضيف الى الحصار اجتياحات وقصفا وصواريخ تضيف الى الناس عبئا اضافيا, وحتى عندما تطلب حماس وساطة مصرية من اجل التوصل الي تهدئة بين اسرائيل وقوى المقاومة فان اسرائيل ترفض, لانها تريد ان تبقى سلطة غزة منشغلة بل غارقة في مواجهة الحصار الاقتصادي والمعيشي من جهة وتترقب عمليات العدوان العسكري, وهذا من وجهة النظر الاسرائيلية يجعل فكرة المقاومة تتحول الى اولوية متأخرة ليس لان قوى المقاومة تراجعت عن نهجها بل لان اولويات اخرى طرأت واشغلت سلطة غزة, تماما مثلما تبيع اسرائيل لسلطة رام الله العبث وتوهمها ان المفاوضات ستأتي بالدولة المستقلة, وربما لا توهمها لان سلطة رام الله تعلم الحقيقة لكنها فقدت قدرتها على امتلاك خيارات اخرى.
اسرائيل تخشى وجود حالة مقاومة حقيقية, وايضا لا تريد سلاما حقيقيا او إعادة الحقوق الى اهلها حتى لو كان هذا مقابل معاهدات سلامة وتطبيع, لانها تعلم انه كيان تؤذيه وتهزه المقاومة, كما انه كيان لا يمكنه التعايش مع اي شعوب اخرى, وسلاح اسرائيل في مقاومة هذا السعي لاغراق المنطقة في الاضطراب والفوضى والاقتتال الداخلي, فالفلسطينيون اقتتلوا وانقسموا, والصهيونية وقفت وراء العدوان واحتلال العراق ففككت الدولة وفتحت ابواب الاقتتال السياسي والمذهبي والعرقي, وهي تفعل ما بوسعها لفتح كل الجروح في الجسد العربي في لبنان والسودان, وهي لا تتردد في دعم اي جهة تعمق الاضطراب في المنطقة سواء بعلم وتنسيق او عبر توفير الاجواء, ففي مثل هذه الامور قد تكون نوايا البعض حسنة لكن يتم الاستدراج لخدمة أغراض سيئة.
ما تمارسه اسرائيل ليس قدرتها الخارقة بل لاننا كعرب نقدم لها الارضية المناسبة, ولغياب الخيارات لا نملك الا شراء العبث, لهذا نركض وراء المبادرات والوعود التي تنتقل عاما بعد عام, والاشقاء الفلسطينيون يقدمون خدمة عملية للسياسة الصهيونية حين يفترقون بل يقتسمون وَهْمَ السلطة بتحويله الى وهمين صغيرين, ثم يقع الطرفان ضحايا إما للمماطلة الصهيونية في عملية التفاوض او ضحايا للحصار الظالم والعدوان والقتل اليومي.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية