هذا العنوان سؤال كبير موجه ليس فقط للدولة الاردنية، بل لكل الدول التي اخذت طريقا رسمته الهيئات المالية الدولية من صندوق نقد وبنك دوليين، طريق قائم على الخصخصة والبيع ورفع الدعم وانسحاب الدولة من دور الرعاية، وهذا السؤال اصبح اكثر الحاحا بعد التطورات الاقتصادية المتسارعة في العالم من ارتفاع اسعار السلع الاساسية في العالم وارتفاع اسعار النفط التي لا ندري اين ستقف، فالدولة لا يمكنها ان ترفع يدها وتترك الناس تواجه كل هذا تحت مبرر ان هذه سياسة اقتصاد السوق وقانون العرض والطلب، وان المواطن علاقته المباشرة مع السوق والتاجر، لان المواطن ما يزال ينظر للدولة باعتبارها من يجب ان تحميه وتساعده وتوقف ارتفاع الاسعار، والاهم ان تداعيات هذا النهج الاقتصادي ليست فقط في الاثار الاجتماعية بل في الابعاد السياسية والامنية التي تجعل الدول تسرع للتدخل والبحث عن كل الوسائل للتخفيف عن الناس، وللانصاف فهذا الامر ليس في هذه المرحلة بل حتى في عقد التسعينات، فعندما تم رفع الدعم جزئيا عن الخبز عام 1996 لجأت الحكومات الى الكوبونات والدعم النقدي وغيرها من الوسائل التي انتقلت من حكومة الى اخرى.
لكن ميزة الفترة الاقتصادية الحالية انها قصرت المسافة بين الرأي السياسي الاقتصادي المندفع نحو الخصخصة والبيع والانسحاب من كل شيء والرأي الذي يؤمن بأن للدولة دورا يجب ان تؤديه وتنطلق من منطلقات سياسية، وحتى ما يحب البعض تسميته بالطريق الثالث فانه موجود لكن بصورة غير منهجية، وما هو موجود قرارات لكن دون ان تنطلق من تصور سياسي او اقتصادي.
القصة ليست توجها اقتصاديا يتحدث به وزير الصناعة او وزير المالية فالامر سياسي بالدرجة الاولى لان الناس تشكو للدولة، وتتذمر من الدولة وتنتظر الاجراءات من الدولة حتى لو كان رفع السعر من القطاع الخاص او نتيجة ارتفاعات عالمية، والدولة لا يمكنها الانسحاب لانها ستكون مضطرة للعودة عندما تشعر ان هناك ثمنا سياسيا وامنيا يمكن ان تسببه الحالة الاقتصادية. وكما اشرت سابقا فان الدولة خلال السنوات منذ عام 1989 وحتى اليوم تمارس دورا لكنها تمارسه عبر قرارات يومية واجرائية وتحت ضغط آثار نهج الخصخصة ورفع الدعم، وهذا التدخل دفعت الدولة تكلفة له مئات الملايين، والاهم من الاموال ان جهات رسمية لا علاقة لها بالعمل الخيري او المساعدات دخلت هذا الباب كاجراء سياسي، وتسابقت عدة جهات رسمية للعمل الاجتماعي لانها تحاول سد الثغرات التي تركها النهج الاقتصادي، ومارست الدولة خطابا اجتماعيا تعامل مع العديد من الملفات على قاعدة انسانية وتعاطف وليس من منطلق دورها السيادي والسياسي والوطني، واحيانا تحت ضغط المشكلات الاقتصادية كان يتم التباطؤ في مسار الخصخصة والانسحاب وكان هذا يعود الى منطلقات الحكومة وقادتها والمؤثرين فيها.
واذا تحدثنا بشكل اكثر وضوحا فان الردع للاندفاع في هذا المسار الاقتصادي كان القراءات والنصائح الامنية التي كانت تتحول الى قرارات سياسية واقتصادية، واذا تحدثنا عن طريق ثالث فان المحدد الامني- السياسي هو الذي فرض تدريجيا جنوحا نحو لغة ادراك معاناة الناس بدلا من لغة الارقام المجردة التي يفضل التعامل بها بعض السياسيين الذين تفتقر قراءاتهم للابعاد السياسية والشعبية.
لكن اذا اردنا الحديث بعيدا عن ردود الافعال او القراءات لمراحل محددة فان ما هو مطلوب ان تعيد الدولة تحديد دورها لتستعيد حضورها في حياة الناس, لان هذا الدور لا يمكنها تجاوزه, لكن فرق بين ممارسة الدور بشكل منظم وانطلاقا من مفاهيم سياسية واقتصادية وبين دور يمارس اجرائيا وتحت ضغط الحدث.
ودور الدولة ضروري لان القطاع الخاص في بلادنا ما يزال في وضع اقل من أن يكون مكتملا ومساهما بشكل ايجابي في مسار الدولة، ودور الدولة ضروري في التوظيف الذي ندفع تكلفته بشكل اخر عبر المساعدات وصناديق العون الاجتماعي, وندفعه حين اهملت الدولة القطاع الزراعي ولم نجد مسارا مكتملا يعيد الاعتبار له كقطاع اقتصادي اجتماعي سياسي, ودور الدولة ضروري لان الامر ليس اقتصاديا فحسب بل سياسي بالدرجة الاولى. وأخيرا، علينا جميعا ان نعيد وضع اسس مسار الدولة للمراحل القادمة فأزمة الاقتصاد العالمي مستمرة ومعالجتها محليا لا تتم من دون رؤية ومفاهيم جديدة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة