السنوات الاخيرة اعادت بناء تفاصيل الحكم السياسي في تركيا من خلال سيطرة الحزب الاسلامي "التنمية والعدالة" على كل المفاصل من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وأغلبية برلمانية، حدث هذا رغم كل المقاومة من القوى العلمانية التركية، لكن تركيا اليوم تعيش تحت حكم حزب اسلامي.
وحزب اردوغان الاسلامي يعمل في مسارين؛ الاول داخلي، معالمه انه لم يمس هوية الدولة وعلمانيتها ومرجعية اتاتورك الرمزية، كما انه قدم نموذجاً ناجحاً في الادارة والاقتصاد، يلقى قبولاً من الشعب التركي الذي يُعبر عن موقفه عبر صناديق الاقتراع.
ولعل ميزة حكم حزب اردوغان ان منسوب النزاهة زاد، وان الفساد يقل، وهناك انجازات اقتصادية يلمسها الناس هناك. فالحصول على ثقة شعب كبير مثل الشعب التركي امر صعب ويحتاج الى جهد وعمل وبخاصة ان الانتخابات ليست لاشخاص، بل لحزب اسلامي في مواجهة الهوية العلمانية للدولة.
وعلى الصعيد الخارجي هنالك مسار لحزب وحكم اردوغان (الاسلامي) يستحق التوقف:
* الحفاظ على الهوية العلمانية للدولة التركية، وهي علمانية وصلت الى حد منع الحجاب في الجامعات والعمل. وهذه الهوية ليست شأناً تركياً داخلياً، بل محل اهتمام دولي وتحديداً من اوروبا وحلفاء تركيا في الولايات المتحدة.
* حافظ حكم الحزب الاسلامي على علاقات التحالف القوية بين تركيا وإسرائيل، وبرغم ان جزءاً رئيساً من هذا التحالف يتم بين المؤسسة العسكرية التركية واسرائيل الا ان الحكومة السياسية لم تحاول اضعاف هذا الحلف، بل اعطته مضموناً سياسياً عبر استمرار العلاقات والزيارات، ولم يضعف من هذا ازدياد نسبة التضامن مع الشعب الفلسطيني او زيادة الود في العلاقات العربية، مع الاشارة الى ان العلاقات التركية العربية جزء من سعي تركيا لدور تركي اقليمي.
وما دمنا نتحدث عن اسرائيل؛ فإن ما يلفت الانتباه سياسياً وحتى فكرياً ان تركيا من خلال حكم الحزب الاسلامي تبحث عن تعزيز دورها الاقليمي عبر وساطة سمع الناس عن جزئها الظاهر بين سورية واسرائيل لبعث عملية تفاوض بين الطرفين. اي ان اردوغان يعمل بموجب اجندة تعزيز الدور التركي الاقليمي، بما فيها العلاقة مع اسرائيل، اكثر مما تفرضه محددات الحزب، وتحديداً بما سيتعلق بالموقف من كيان محتل.
تجربة حكم حزب اردوغان تقدم لنا مسارين؛ الاول حرص على نجاح داخلي في ادارة قضايا الاقتصاد والادارة، والثاني حفاظ على تحالفات الدولة حتى مع اسرائيل، حتى وهي تتعارض مع مبادئ الحزب، بل والذهاب الى ما هو ابعد وهو الوقوف على مسافة واحدة من الاشقاء من عرب ومسلمين وكيان الاحتلال الصهيوني.
هل ما يريده الشعب التركي حزب اسلامي يحكم وينجح داخلياً ويقدم الخدمات؟ ام حزب بهوية واجندة سياسية؟ هذا سؤال نحتاج للحصول على اجابته لدراسات وارقام ومنهج علمي..
لكن السؤال الآخر: هل نموذج حكم اردوغان وحزبه بمساراته الداخلية والخارجية يصلح للتعليم او القياس عليه في ساحات اخرى؟.. هذا ايضاً سؤال فكري سياسي لا يمكن الحصول على اجابة فورية عليه، لكنه سؤال هام يحتاج الى البحث من اهل الفكر والسياسة.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية