عندما قدم الوفد الفلسطيني المفاوض استقالته إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، احتجاجا على استمرار إسرائيل بمشاريعها وخططها الاستيطانية، استبشرنا خيرا، وقلنا إن السلطة الفلسطينية قررت أخيرا اتخاذ خطوات على الأرض لمواجهة الاستيطان، ولتأكيد أن المفاوضات لا يمكن أن تُنتج أي خير للفلسطينيين والعرب في ظل السياسات الإسرائيلية العدوانية، وعلى رأسها حركة الاستيطان المتصاعدة، في القدس والضفة الغربية.
ولكن التفاؤل لم يستمر طويلا. إذ جاءت تصريحات الرئيس عباس خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، في الثامن عشر من الشهر الحالي، لتقضي على التفاؤل. فالرئيس الفلسطيني أكد أن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية مستمرة، بغض النظر عما يحصل على الأرض، لمدة تسعة أشهر.
وقد ألغى، بهذه التصريحات، ورقة ضغط كان من الممكن أن تفعل شيئا بخصوص التعنت الإسرائيلي الرافض لوقف الاستيطان، والذي يتواصل تطبيق مخططاته على الأرض من خلال زراعة الضفة الغربية والقدس بالمستوطنات الجديدة، وتوسيع القائم منها.
عندما احتج الفلسطينيون على سياسة إسرائيل الاستيطانية، واعتبروها معيقة للمفاوضات، جاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى المنطقة، والتقى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وجدد التأكيد على مواقف الولايات المتحدة الأميركية من الاستيطان، ولكنه لم يمارس أي ضغط على الإسرائيليين. ويبدو أنه مارس الضغط على الفلسطينيين الذين عادوا إلى المفاوضات مرة ثانية، وبتصريحات تؤكد أنهم مستمرون فيها، بغض النظر عما يحصل على الأرض من قبل إسرائيل. وها هي سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستوعب الرسالة الفلسطينية، وتعطي الضوء الأخضر لبناء 829 وحدة استيطانية في الضفة الغربية، بحسب الإذاعة الإسرائيلية أمس، والتي بينت أنه سيتم بناء حوالي ثلث هذه الوحدات في مستوطنة "نوفي برات" التي كانت تُعتبر عشوائية في الماضي، و94 وحدة سكنية في مستوطنة "سلعيت" العشوائية أيضا في غور الأردن، و30 وحدة في مستوطنة "شيلو" جنوبي مدينة نابلس، والتي تقع خارج الكتل الاستيطانية.
ويلاحظ من القرار الأخير أن الوحدات الاستيطانية الجديدة ستُبنى في مستوطنات عشوائية، لم تكن تعترف بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي سابقا، ولكنها اعترفت بها في قرارها الجديد، وقامت بتوسيعها. وبهذه الطريقة، فإن إسرائيل تزرع الضفة الغربية والقدس بالمستوطنات؛ إذ تقول في البداية إنه لا دخل لها بما يُبنى من قبل مستوطنين متطرفين، وإن هذه المستوطنات غير معترف بها، ويجب هدمها. ولكن ذلك لا يحصل. بل وبعد حين، تعود سلطات الاحتلال لتعترف بتلك المستوطنات، ولتوسعها وتمدها بالخدمات.
الرد الفلسطيني الرسمي على سياسة الاستيطان الإسرائيلية، شجع ويشجع الإسرائيليين من سلطات، ومنظمات صهيونية، وأحزاب يمينية وغيرها، على مواصلة الاستيطان. تُرى، على ماذا يفاوض الوفد الفلسطيني؟ ولماذا يفاوض في ظل ما يجري على الأرض؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة محمد سويدان جريدة الغد