كلنا قرأنا في التاريخ حكايات نماذج العفة المالية للمسؤول, ولهذا وضعت لنا وزارة التربية في كتبنا ونحن صغار قصة عمر بن عبدالعزيز الذي كان لديه (بنورة) أو مصدر ضوء يستعمله في أعمال الدولة، وآخر من ماله الخاص يستعمله في حياته العادية.
وقرأنا جميعا حكاية ثوب عمر بن الخطاب الذي كان طويلا فأثار استغراب وغضب أحد المواطنين لان الاثواب التي تم توزيعها ذات حجم لا يكفي جسد عمر الطويل، فاضطر لتقديم كشف مالي عن القصة تكمن في أنه أخذ ثوب ابنه ليحصل على ثوب مكتمل.
حكايات علمتنا اياها الحكومات في كتب المدارس, وهي حكايات تعبر عن عظمة الحضارة، لكنها ايضا تصلح لتكون نماذج سياسية ليس بالضرورة لدولة تعاني مشكلات اقتصادية بل حتى لو لم تكن تعاني, انه نموذج فيه حرص من المسؤول على المال العام، وترشيد هو جزء من روح وطنية والتزام أخلاقي قبل ان يكون جزءا من تعميمات ادارية.
وحتى في مجال الفعل السياسي فإن المسؤول النموذج المتواضع في مصاريفه يحصل على رد سياسي شعبي كبير لا تحققه أي عمليات تسويق اعلامي او خطابات سياسية. وما نبحث عنه ليس شكليات الترشيد او تعبئة نماذج البراءة المالية التي تحتاجها قضية الذمة المالية، بل عن تلك النماذج التي يحب الناس أن يروها في كل مسؤول من اول السلم الى آخره.
الدولة بحاجة الى نماذج من الترشيد التلقائي المعبر عن سلوك أخلاقي قبل ان يكون سلوكاً ادارياً، وهنا لا اقصد سيارة المسؤول او طقم الكنبايات في مكتبه، فهذه امور على اهميتها اقل مما يجب, لكن المهم الحرص الداخلي على كل قرش, التواضع في المتطلبات، الذي يجعل احدنا لا يرضى أن يأخذ اكثر من حقه، وان لا يعتقد ان كل ما يأتيه من مال عام هو حق له, سلوك يجعل سلوكياتنا تتناسب مع اوضاعنا، فحين يسكن احدنا في بيت من مال الدولة بكلفة عالية ولا يتحرك له جفن او ضمير مستتر او متصل بينما يرى الناس يبحثون عن كل عون فهذه هي المشكلة.
قد يعتقد البعض أننا نتحدث عن خيال سياسي واقتصادي, او نمارس الانشاء، لكننا نعتقد ان السياسة والادارة الناجحة للمراحل الصعبة ادارة اخلاقية بالدرجة الاولى، ونحن بحاجة الى نماذج عليا في كل المواقع تمارس الترشيد الحقيقي، الترشيد الذي يعني حرصا حقيقيا على المال العام على الاقل مثلما يحرص الكبار على ثرواتهم وأحوالهم واستثماراتهم.
لا قيمة لكل اشكال التضامن الرسمي مع الناس اذا كان مقابل هذا حكايات يسمعها الناس عن ثروات او مكتسبات لا تفسير لها او على الأقل لا تتناسب مع الحالة الاقتصادية العامة. وعلى الدولة ان تعلم ان كل القصص متوفرة لدى الناس، وكل الحكايات موجودة، ولهذا فالمطلوب هو النموذج.
فالمسؤول العفيف هو من يمتلك عقلية البخيل! لكن ليس على الامور الاساسية لادارة الدولة بل على ما يستحق البخل والترشيد والتقشف.
بعضنا لو أراد السفر من ماله الخاص لدفع ثمن التذكرة العادية، لكن على حساب الدولة لا يقبل الا بالدرجة الاولى. وبعضنا لو كان المال من جيبه لاشترى شقة تكفيه، لكن لو كانت هدية لأراد بيتا بالملايين.
مرة أخرى؛ فالقضية ليست بحجم الانفاق وقيمته، بل بالعقلية التي تتعامل مع المال العام، ومع مقدرات الدولة وحقوق الناس. فالتضامن الحقيقي مع معاناة المواطنين يكون ايضا بتوفير كل قرش، ومنع اي قرار اداري تتحمل الخزينة اعباء مالية له.
وليتذكر من يوقع قرارات الانفاق ان كل قرش هو اما من ضريبة دفعها الناس او من مساعدات وصلت للدولة او من مقدرات عامة. فاذا توفرت العقلية الحريصة المنتمية فعليا للدولة فإن كل تفاصيل الترشيد تأتي تلقائيا.
الترشيد الذي نريده حالة عفة مالية من كل صاحب سلطة حتى لو كانت من موظف صغير ليس له سلطة الا على قلم الحبر الجاف الذي بين يديه، لكن الاستغراق في اداريات الترشيد فقط دون عقلية منتمية وحس وطني لا يحقق المراد. وهناك من قدم خدمات جليلة للدولة لأنه مارس العفة فمنع فساداً او وفر مالا كان سيذهب في غير مكانه، فهؤلاء هم اهل العفة الوطنية، لكن من مارس الحديث عن الترشيد أو الحرص الشكلي على الناس لغايات سياسية دون أن ينطلق من مضمون أخلاقي وحرص وطني فإنه إن وفر قرشاً اليوم سيضيع عشرة عندما تجف أوراق التعميمات الإدارية!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية