كيان الاحتلال الاسرائيلي لم يقدم حتى الان ردا سياسيا رسميا على اقتراح التهدئة او الهدنة, لكنه يقدم ردودا عملية ويومية عبر استمرار القصف والحصار والتوغلات. لكن حكاية التهدئة فيها ما يجب التوقف عنده في الادارة الصهيونية لها.
التهدئة اقتراح عربي, فحماس قالت انها مبادرة مصرية وهي وافقت عليها, ومصر قالت انها فكرة حماس تبنتها مصر. ومهما كان الامر فالفكرة عربية وافقت عليها حماس وحملتها مصر الى القيادة الاسرائيلية التي لم تعط جوابا عليها، ثم جاءت قيادات الفصائل الى القاهرة وتوصلت الى اجماع على التهدئة, اي ان التهدئة مطلب مصري فلسطيني بل ان قيادة السلطة في رام الله تسعى لها.
الملفت ان اسرائيل تتجاهل كل هذا فلا تعطي جوابا بالرفض ولا بالقبول وتمارس ما تريد ومستمرة بسياستها, وهذا لا يعني ان اسرائيل لا ترغب بالتهدئة ولا تريد وقف اعمال المقاومة لكن اسرائيل تفكر بطريقة مختلفة, فهي تعلم ان التهدئة عمل سياسي, وانها حتى وان كانت بوجود وساطة مصرية الا انها عمل تفاوضي بين الاطراف الفلسطينية وحكومة الاحتلال. ولهذا فهي تريد تحويل التهدئة الى فرصة لفرض ايقاعها تماما مثلما تفعل بكل عملياتها التفاوضية، تريد ان تقول انها "تمنح" الموافقة على التهدئة فضلا او كرما منها، وتريد ان تصنع حالة سياسية يكون فيها الطرف العربي والفلسطيني هو الذي يطلب التهدئة ويسعى لها, وهو الذي يقضي الايام ينتظر الجواب ويأمل بالموافقة بينما الطرف الاسرائيلي يستمر في القتل والقصف والحصار, اما الاطراف المقابلة له فهي تعيش على امل قبوله بالتهدئة.
والملاحظ ان حجم الحشد السياسي الذي تم من الطرف العربي والفلسطيني للتهدئة كان كبيرا, وعدد اللقاءات التي تمت بما فيها زيارة كل الفصائل الى القاهرة والاتصالات المعلنة وغير المعلنة كل هذا تم دون ان يبدي الطرف الاسرائيلي اي موقف ايجابي، بل كان يمارس الرفض ويضع الشروط وفي نفس الوقت استمر في أعماله العدوانية من دون ان يقدم اي بادرة حسن نية تجاه الحماس العربي والفلسطيني للتهدئة.
التهدئة ليست عملا عسكريا، بل عمل سياسي، واسرائيل ترى فيها تواصلا اوليا مع قوى المقاومة ولهذا تمارس فيها ألاعيبها السياسية التي ما زالت تمارسها مع سلطة رام الله، ولأن اسرائيل تعلم ان هذه التهدئة ليست نهاية هذه الاعمال السياسية، فإنها تريد ان تضع قواعد للعبة، وتريد ان تزيد من عدوانها واجرامها حتى تكون الحاجة الفلسطينية كبيرة للتهدئة.
ممارسة العدوان قبل الرد على عرض التهدئة لتبدو التهدئة مطلبا فلسطينيا وعربيا ومنحة تقدمها اسرائيل رغم انها ايضا تحتاج الى التهدئة ووقف اعمال المقاومة.
وعلى المدى البعيد فإن التهدئة قد يتعامل معها الطرف الاسرائيلي وحتى الاميركي من منظور اخر, فهذان الطرفان ومعهما اطراف اوروبية وصلوا الى قناعة بأنه لاسلام في المنطقة او مع الطرف الفلسطيني من دون مشاركة حماس او على الاقل من دون تمريرها لأي اتفاق سلام وبخاصة ان ما يتم الحديث عنه الان النهائي, وهذا الاتفاق لا يمكن ان يتم دون غزة, ولهذا فالعمل العسكري والحصار لم يغيرا شيئا والبحث سيكون عن وسائل سياسية تجعل من حماس اقرب الى العملية السياسية, وزيارة كارتر وغيرها من الاتصالات تهدف الى استدراج حماس على الاقل لتكون مصلحتها في تمرير العملية السياسية.
طبعا هذا لا يعني ان حماس ستقبل او انها شريك بما يجري, لكن الحصار والعدوان والاجتياحات لم تعد ادوات لضرب المقاومة بل لاجبار حماس على ان تذهب خطوة خطوة نحو الحل السياسي, والرهان لدى الطرف الاسرائيلي ليس على شهور بل عمل يحتاج الى سنوات, وهذا الهدف يجد دعما عربيا وحتى من سلطة رام الله لأن قناعة الجميع ان اتفاق سلام نهائي لا يتم دون غزة, وهذا الهدف قد يكون ثمنه المرحلي انتخابات فلسطينية مبكرة شاملة من رئاسة ومجلس تشريعي.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية