بعض الكتابات حول الواقع السياسي الأردني، وتحديدا حول ما يسمى بالمحافظين والليبراليين الجدد، تذهب باتجاهات تتجاوز أحيانا جوهر الخلاف أو لنقل تنسى جزءا أساسيا من أسباب الخلاف.
هنالك أسباب تتعلق بالجانب الاقتصادي، لكن كلا الطرفين ليس متمردا على مبدأ التعامل مع المؤسسات النقدية الدولية أو حتى اتباع وصفات صندوق النقد. فالحكومات المتعاقبة منذ عام 1989 وحتى اليوم حملت مختلف تصنيفات رؤساء الحكومات من محافظين وليبراليين او بلا تصنيف، لكن منهج الدولة الاقتصادي لم يتغير خلال تلك الفترات وعبر كل الحكومات. فكانت الخصخصة وكان رفع الدعم وكانت العلاقات مع المؤسسات النقدية الدولية، وكان الاختلاف بين الجميع في سرعة التنفيذ أو شكل الإخراج وطرق تعويض الناس والتخفيف عنهم.
الفرق ليس بين من يرفض السياسة الاقتصادية ومن يقبلها. فالجميع يقبلها وينفذها مع بعض الخلاف في التفاصيل، ولهذا فالحكاية ليست في أن الليبراليين يملكون بديلا اقتصاديا بينما الآخرون لا يملكون بديلا اقتصاديا، لأن الجميع يحمل ذات القناعة في إطار المسار الاقتصادي، أي ليست القضية في البديل.
لكن الخلاف في أمرين، الأول وهو الأهم الذي لم يتم الحديث فيه وهو خلاف يتعلق بالنوايا؛ فالمحافظون لا يثقون بالنوايا السياسية لما يسمى بالليبراليين الجدد، ويعتقدون أن تعاملهم مع الدولة تعامل يختلط فيه البزنس مع نظرة خاطئة لمفهوم الدولة وطرق حمايتها. ويرى المحافظون أن الليبراليين الجدد لا يملكون دوافع سياسية ووطنية سليمة في إدارة شؤون الحكومات.
وحتى العلاقات مع الولايات المتحدة؛ فالجميع يؤمن أن للأردن مصلحة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، لكن المحافظين يعتقدون أن الليبراليين الجدد مندفعون في هذه العلاقة وأحيانا مستعدون لأية شروط سياسية لغايات بناء دور سياسي لهم، أي أن المحافظين يعتقدون أن العلاقات مع الولايات المتحدة يجب أن تتم ضمن الإطار الوطني وليس ضمن منظومة مصالح فردية أو سعي لتحقيق نفوذ داخلي باستقواء بجهات خارجية.
أما نقطة الخلاف الأخرى؛ فهي قناعة المحافظين أن أصحاب المسار الليبرالي يمارسون الخط الاقتصادي دون مراعاة لأبعاده السياسية والاجتماعية، أي يقدمون على أي خطوة اقتصادية وفق منطق الأرقام فقط، أي أشبه بحسابات الصفقات ودون مراعاة لمواقف الناس أو الأبعاد السياسية والوجدانية والاجتماعية، ولهذا خرج الى الساحة مصطلح "لغة الأرقام" والذي حمل اتهاما للتيار الليبرالي بأنه يدير الاقتصاد بلغة رقمية، وخرج علينا مصطلح آخر يتعلق بمراعاة الجوانب الأخرى.
الحكاية ليست في وجود مسار لدى الليبراليين وغيابه لدى المحافظين، فالمسار واحد تقريبا لكن الخلاف سياسي، خلاف يصل الى النوايا، ولهذا نجد في بعض مواسم الصراع بين الطرفين اتهامات ليست اقتصادية بل اتهامات سياسية ولها طابع التشكيك، تماما مثلما يتهم الليبراليون الجدد المحافظين بأن طريقتهم في إدارة الحكومات معيقة للنمو والمسار الاقتصادي للدولة.
خلاف جوهره سياسي، يذهب أحيانا الى التشكيك بالنوايا، خلاف حول الولاءات، واتهامات بتجيير الأمور الى مصالح شخصية، ولعل ما قاله أحد الوزراء في حكومة سابقة من أن "الأوطان تدار مثل الشركات"، يوضح جوهر المسألة؛ فالخلاف ليس مع من لا يملك بديلا اقتصاديا لنهج الأخر، لكنه خلاف أبعد من ذلك بكثير يجعل إمكانية التعايش صعبة، وإمكانية تجدد المواجهات السياسية والإعلامية ممكنة دائما.
بقي الطرف الثالث وهو المواطن الذي يعنيه في النهاية قدرة النهج الاقتصادي الذي نفذه المحافظون والليبرالييون على حل مشكلاتنا الأساسية من مديونية وبطالة وفقر، وكما قال أحد المواطنين فإن ما يعنينا أيضا نزاهة مسارات حكومات الطرفين، فالناس يشكون من الفساد في ظل كل الحكومات على اختلاف تصنيفاتها، ويشكون من تراكم المشكلات في ظل النهج الاقتصادي القائم على الخصخصة وانسحاب الدولة فهذا ما يستحق التقييم، فالصراع أحيانا وفق رأي المواطن ليس بين نهجين بل جزء من التنازع على السلطة والنفوذ.
ما بين الليبرالي والمحافظ والمواطن معادلة هي الأهم، وهي ما يجب أن نبحث عنه، والدولة ومؤسساتها هي الأصل والهدف ومراعاة مصالح الناس هدف أساسي، وبعد حوالي (20) عاما على سياسة اقتصاد السوق التي نفذها الجميع نحتاج الى مراجعة النهج وتقييمه وآثاره، وربما إضفاء لمسة وطنية اجتماعية وإحساس بمعاناة الناس.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية