ما يحدث في لبنان اليوم ليس أول الحكاية، فكل الاحداث التي عاشها هذا البلد خلال اكثر من ثلاثين عاما تخضع لمعادلة واحدة، فالأمور اليوم نسخ مكررة، لكن في ظل ظروف سياسية مختلفة لما كان يجري خلال هذه العقود، فاللبنانيون فقدوا دولة قوية ذات سيادة ومرجعية وقدرة على تطبيق القانون.
ما يجري في لبنان منذ عقود ان كل طرف سياسي او طائفي حمل سلاحه بيده وبحث عن تمويل لميليشياته ومرجعية لقراراته وتوجهاته، وأصبح كل طرف يتحدث بلغة مرجعيته او مموليه ومحركيه، وفقدت هذه القوى الحديث باللغة الوطنية اللبنانية, وحتى عندما تم اخفاء الاسلحة من الشوارع في سنوات سابقة فإن الأقوياء اعتقدوا ان إخفاء اسلحتهم ليس احتراما للقانون او سيادة الدولة بل فضلا وكرما منهم او تكتيكا سياسيا.
انهيار السلطة الدستورية لم يتم عندما سيطر مسلحو حزب الله وحركة امل على الشوارع بل منذ ان اصبح اجتماع القوى السياسية لقاء اقليميا يمثل عواصم عربية وإيران وواشنطن، والسلطة منهارة عندما اصبحت المؤسسة العسكرية والامنية، اما مخترقة من ميليشيات سياسية، او مؤسسة ضعيفة عاجزة، واصبحت القوى السياسية تنظر الى الجيش نظرة انسانية فيها من العطف والشفقة، وليست نظرة تقدير كمؤسسة مرجعية لحماية الناس والبلاد.
إسرائيل، هذا الكيان الذي تقوم بعض استراتيجيته على اشاعة الاضطراب والفوضى في محيطه، ساهمت بشكل كبير عبر الاحتلال والاجتياحات في ضرب بنية الدولة وقوتها, وأقامت تحالفات مع بعض القوى في مراحل سابقة, لكنها حتى بعد خروجها منسحبة تركت اصابعها عبر تاريخ من اضعاف الدولة. وقد تكون شريكا في اشعال النيران وربما المساهمة في ادامة النزاعات والاغتيالات.
كما ان ضعف الدولة جعلها ساحة خلفية لبعض الدول، وأحيانا يكون ساحة نزاع بين اطراف اقليمية لكن عبر ادوات لبنانية تماما مثل العرائس من الالعاب التي تتحرك، ويمكن ان تتحدث بلغة اميركية او فرنسية او فارسية او لبعض دول العرب بحسب لهجة صاحب الاصابع التي تحرك اللعبة.
فرح كل طرف بضياع الدولة لاعتقاده ان هذا منحه سلطة ونفوذا, لكن تفتيت الدولة الى اجزاء لا يعني ان مجموع هذه الاجزاء يساوي الدولة. فمجموع الاجزاء دائما يعني احتكاما لغير القانون والدستور, والقرار السياسي يكون افرازا لموازين القوى، وليس احتراما للدستور والقانون، ومن يملك القوة اليوم ويمارس الاستقواء على الآخر قد يكون مستضعفا في يوم آخر. فالجميع يمكن ان يدفع في يوم ما ثمن استبدال الدولة بنفوذ القوى السياسية او الطائفية والمذهبية.
لبنان درس كبير منذ عقود حين مارست قوى مختلفة استقواء على الدولة والقانون بالبندقية وشحنات أسلحة جاء بها كل طرف من أسياده، ونحن هنا نتحدث عن الدولة بما تعنيه من سيادة القانون ومؤسسات تحمي الدستور وتردع البنادق الذاتية، لهذا تحولت الدولة الى دفاع مدني وشرطة لإسعاف ضحايا اقتتال بنادق الميليشيات.
ولبنان درس كبير عندما اصبح ايقاف مظاهره فيه او حل مشكلة داخلية في ايدي اجهزة مخابرات لدول مختلفة, فالمشكلة ليست في احداث الايام الاخيرة، بل في واقع تمت صناعته ويدفع الشعب اللبناني ثمنه منذ عقود، وذاقوا من التهجير على ايدي ميليشياتهم ربما ما يوازي التهجير الذي صنعه الاحتلال الصهيوني.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية