سنترك الحروب واسرائيل ولبنان وبيع الاراضي واسعار النفط على اهمية كل هذا سنتركه الى حكايات او مشاهد في مجتمعنا، مشاهد جميلة تشير الى الجوانب الايجابية في مجتمعنا، وهي امور كثيرة جدا في مقابل ما نتحدث عنه ونكتب عنه من سلبيات.
المشهد الاول مكالمة هاتفية استمعت اليها من راديو الامن العام لمواطن كان قادما من الجنوب وتعطلت سيارته في ساعة متأخرة من الليل في منطقة مرج الحمام، وكانت اسرته واطفاله معه والطقس بارد، وهو موقف صعب، فخرج عليه صاحب بيت قريب من السيارة المعطلة وسأله عن المشكلة ثم عرض عليه استضافته واسرته في البيت، فاعتذر صاحب السيارة، فقام الرجل بنقل الرجل (المقطوع) واسرته في سيارته من مرج الحمام الى سحاب، وعندما سأله الرجل عن اسمه عرف انه عقيد من الامن العام واسمه فواز العجارمة.
طبعا هذا الخلق الكريم ليس غريبا على اهلنا من العجارمة، وليس غريبا ايضا على نسبة كبيرة جدا من الاردنيين، لكنني استمعت الى صاحب القصة يرويها بعاطفة جميلة، لكن تخيل لو ان صاحب هذا البيت نظر من شباك بيته الى الاسرة وهي تعاني البرد ولا تملك القدرة على اصلاح السيارة في ساعة متأخرة من الليل، ثم اغلق الشباك وعاد الى فراشه من دون ان يحركه اي دافع للمساعدة او الكرم او الشهامة، فلا يستحق حينها ان ننتقد سلوكه! لكن ما دام عمل ما يجب فهو سلوك، يستحق الاشادة وهو مشهد جميل يفترض ان نعزز وجوده وتكاثره.
والمشاهد التالية ابطالها ليسوا اثرياء إنما اردنيون اصحاب رواتب او تجارة صغيرة، لكنهم يمارسون علاقة جميلة وسامية مع مجتمعهم، اما بدافع الدين والبحث عن الاجر والثواب، وهذا هو السبب الاساسي والى جانبه حب الخير والخلق الكريم.
من هذه المشاهد رجل من هؤلاء يدفع كل شهر مبلغا ماليا منتظما لعائلة عفيفة ليساهم في تكاليف الدراسة الجامعية لأحد ابنائها، واحيانا يسعى مع موعد التسجيل الفصلي الى تقديم مبلغ اضافي للمساعدة في دفع الرسوم، يفعل هذا بهدوء ودون صخب، وهو عمليا يساهم في حل مشكلة اسرة فقيرة.
مشهد اخر لرجل من ذات الوزن المالي يخصص من راتبه كل شهر (20) او (30) دينارا لشراء اغراض البيت الاساسية من سكر وشاي وارز ومواد تنظيف وغيرها من المواد الضرورية ويقدمها لأسرة عفيفة، وتخيل كم هو العون الذي يضاف الى دخل هذه الاسرة؟ وكم هو الدور الايجابي الذي يمارسه فرد ليس بقيمته المالية بل بالمحافظة على قيم التكافل داخل المجتمع؟
البعض قد ينفق في عرس ابنه او نجاحه في التوجيهي مئات الدنانير لاطلاق الالعاب النارية، وتخيل لو ان احد هؤلاء حول هذه الالعاب النارية الى اسر فقيرة، او جزءا من رسوم جامعية لطالب محتاج، طبعا هذا لا ينفي حق اي شخص في الفرح، لكن مئات الدنانير التي يحولها بعضهم الى صوت مزعج واضواء يمكن ان تصنع فرحا لعائلة او عائلات.
هذا يعيدنا الى مشهد اخر لأناس نعرفهم ليسوا اثرياء يقتطع الرجل وزوجته من دخلهم ما يغطي كفالة يتيم في جمعية خيرية، وبعض من نعرفهم يقوم مع بداية موسم المدارس بتخصيص مبلغ من دخله العادي لمساعدة جار او قريب فقير لشراء متطلبات مدارس ابنائه، ويحدث هذا في مواسم الاعياد ايضا.
انها مشاهد جميلة نجدها في هذا المجتمع، ولعل المشهد الاخير تذكرت عندما عشته بعض التقارير الخارجية حول علاقة المسيحيين بدولتهم ومواطنيهم، مشهد من جزئين اكثر بلاغة من كل ما نكتب ونتحدث به، فقبل ايام قليلة وفي جنازة احد وجهاء الكرك من قرية ادر كان المعزون يجدون رجال دين مسيحيين يتقبلون العزاء الى جانب اهل الفقيد، وقوفهم ليس مجاملة او بأمر اداري، بل لأن العلاقة فيها من الجمال والود، ما لا يدركه من لا ينظرون الا بلغة الخنادق والطائفية.
مشاهد كثيرة جدا تستحق الاشادة في مجتمعنا لعلها اكبر بكثير من الحوادث السلبية، وربما لدى كل منا ذات الحكايات او اكثر، لكننا نحب ان نشير الى بعضها لنعطي لاصحاب الخلق الكريم والتكافل وحب الخير بعضا من حقهم على مجتمعنا.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة