كلما اقتربت الأمة من أحد المواعيد الكبيرة السيئة في تاريخها عدنا جميعا نكرر ذات أشكال الاحتفال او الإحياء، وها نحن على أبواب ستين عاما من نكبة فلسطين وظهور كيان الاحتلال الصهيوني، نتحدث ونكتب ونقدم البرامج والأفلام الوثائقية التي تظهر كم هو حجم الإجرام الصهيوني وعدوانيته بحق الأمة كلها وبخاصة الشعب الفلسطيني، وكل هذا من حقنا كأمة عاشت عقود النكبة والنكسة والاحتلالات، لكن المشهد الآخر أن هذا العدو الذي كانت الأمة تستهين به في بداية الصراع، ثم كانت الشعارات في مراحل أخرى أننا سنلقيه في البحر بل وطلبنا من أسماك هذا البحر ان تصوم لأننا سنقدم لها وجبة دسمة والحمدلله أن السمك لم يصدق تلك الأنظمة والا لمات جوعا حتى اليوم، وهو ذات العدو الذي كنا نرفض التفاوض معه ثم أصبح التفاوض هدفا للنظام العربي فهذا العدو لا يرفض فقط ما كنا نرفضه قبل عقود بل يمارس باحتراف إقامة علاقات سرية وعلنية مع العرب هنا أو هناك، يرفض المبادرة العربية التي أجمعت عليها كل الدول، ويتسلى مع محمود عباس في مفاوضات ودية على طاولات الطعام لكنه يفعل ما يريد من عدوان وحصار واجتياحات واعتقالات، وحتى فكرة التهدئة يرفضها الكيان الصهيوني رغم أنها فكرة عربية تحظى بقبول بل وحرص من فصائل المقاومة الفلسطينية.
لكن رغم كل تلك الصورة فإن هناك جوانب مضيئة فهناك محطات انتصار في عام 1973 ومعركة الكرامة وهناك صمود ومقاومة، مثل الانتفاضة وقوافل شهداء وجرحى وأسرى، وهنالك تحرير جنوب لبنان وغيرها من المشاهد الكريمة لكن هذا العدو استطاع أن يحقق الكثير من أهدافه وغرقت الأمة في جدل ابتدأ من جدلية الوحدة أو التحرير ولن ينتهي بالواقع الفلسطيني المنقسم جغرافيا وسياسيا في سلطة وهمية.
أحد الناس أصحاب الخبرة الذين عايشوا عقود الصراع يقول إن حال أمتنا مع هذا العدو يتشابه بنسبة كبيرة مع حكاية جرت في أيام الحكم العثماني، ولا أدري هل هي قصة حقيقية أم رمزية لكنها حكاية رجل من بلاد الشام تزوج امرأة أصغر منه في العمر، وكان كل يوم يخرج صباحا ومعه عصا صغيرة تستعمل للاستعراض والديكور، وعندما يعود الى زوجته ظهرا تكون العصا ملونة بالدم، وكان يقول لزوجته إنه ضرب وعاقب وأن هذه دماء ضحايا من الرجال.
وفي أحد الأيام طلبت منه زوجته الشابة أن يخرجا في رحلة أو (سيران) كما يقول أهل الشام، فخرجا وفي الطريق لقيا عسكريا تركيا قد استولى على خروف لأحد الناس، فأوقفهما العسكري الذي أعجب بزوجة الرجل، وأمر (المريس) أن يمسك الخروف وقام بالاعتداء على الزوجة، وعندما تخلصت المرأة منه صرخت بزوجها عن دوره وسلبيته وأين رجولته التي كان يتحدث عنها وضربه وعقابه للرجال والدماء التي كانت على عصاه كل يوم، فقال الزوج لزوجته إن عليها أن تعلم أنه عاقب الجندي المعتدي دون أن تدرك وأنه اثناء فترة اعتداء هذا الجندي عليها كان يضرب الخروف بالعصا ويشتم الخروف و(يقرصه) وأنه أخذ ثأرها من الجندي قبل أن يتركهما الجندي التركي.
ولعل هذه الحكاية تأتي في سياق مشابه للمثل العربي "أوسعتهم شتما وأودوا بالإبل"، فكم شتمت الأنظمة وحتى القوى السياسية إسرائيل، وكم هدرت الإذاعات قبل أن تظهر الفضائيات وكم انطلت على شعوبنا خدع وتضليل فقيل لها إن العدو الذي أخذ الارض وهزم الجيوش لم ينتصر لأن هدفه الحقيقي إزالة هذه القيادة أو تلك، لكن الأمة كانت تحتاج الى أن لا تشتم الخروف أو (تقرصه) بل الى ردع الجندي عن إثمه وعدوانه.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة