بعد سلسلة السجالات السياسية والإعلامية والنيابية بين معسكرات ورموز مراكز صنع القرار ووضوح خارطة التحالفات الحقيقية وسقوط ما كان يقال عن الانسجام والتنسيق، بعد كل هذا تنتظر الأوساط السياسية والمراقبون عما ستنجلي عنه هذه المواجهة, أي من سيبقى ومن سيرحل, وحتى من يبقى ماذا سيبقى له من نفوذ, وماذا ستحمل الأيام من خطوات على صعيد الحكومة أو على صعيد المواقع الهامة الأخرى؟.
ما هو أقرب الى التأكيد لدى كل هؤلاء, أن شيئاً ما سيحدث, لكن المتوقع أنه إن حدث شيء فإنه لن يؤكد انتصار طرف, بل إن (الانتصار) الإعلامي والسياسي لطرف قد يكون مبرراً ليكون هو أول من ستبدأ به إعادة ترتيب الأوراق.
كل هذا قد يحدث قريباً، وقد لا يحدث، لكن ما هو مؤكد أن حكاية بيع الأراضي تركت أمراً هاماً على الصعيد الشعبي, والناس هم الطرف الأهم. لأن الحكومة أو أي مسؤول هام يتغير، أما الأردنيون فلن يتغيروا، فليس هنالك شعب بديل. ولهذا من الواجب أن ندق الجرس لصاحب القرار وللمؤسسات الهامة في الدولة بضرورة التوقف عندما كشفت هذه القضية وضرورة معالجتها.
المدينة الطبية ليست تراثا أو أمرا رمزيا، وإن كانت لها رمزية مؤسساتية كبيرة سواء من الخدمات الجليلة التي قدمتها أو من الاسم الذي تحمله، لكن الأخطر هو الأمر الذي يتحدث به الأردنيون لكن بلغة شعبية وأحياناً تضطر للحديث عنه في نكتة أو حديث طويل لمواطن, أو في قصص وأمثال واستشهادات تجدها في بعض المجالس.
الخسارة الحقيقية من كل هذه القضية لا تكمن في الصراع بين خنادق المسؤولين، بل فيما يرتبط أحياناً بالثقة او بتقييم الناس للنهج. وسأحاول أن أبحث عن عبارات دبلوماسية للوصف؛ ومنها أن الأردنيين يشعرون أن الذي يجري هو عنوان للجرأة من البعض على كل شيء سواء بالبيع أو تغيير الهوية أو تغليب رؤى على مسار عام.
من ناحية القيمة الاقتصادية والرمزية فإن البوتاس والفوسفات أهم بكثير من مبنى القيادة العامة أو حتى من مبنى المدينة الطبية, لكن الناس لم يشعروا بالجرأة على عرض كل شيء في بورصة الصفقات إلا بعدما وصلت عمليات البيع أو الخصخصة الى كل شيء، ولهذا كان الموقف من بيع أراضي القيادة والمدينة يحمل موقفاً فيه حسرة لأن هذا النهج الاقتصادي لم يوفِّر أي شيء من العرض للبيع, وهذا هو سر موقف الناس, إنه موقف تراكمي حمل تقييماً لكل المراحل وللنهج الاقتصادي كله. ربما لو تم بيع المدينة قبل عشر سنوات وبناء مبانٍ جديدة واسعة وضمن ما يقال الآن عن توسعة استراتيجية لما كانت ردة الفعل الشعبية والسياسية, لكن الناس (تفش غلها) بالقضية الأخيرة لأنها شعرت أنه لا حصانة لأي شيء من البيع والخصخصة.
ولعلي أجد في مثال سمعته من أحد المواطنين ما يقرِّب الصورة: فلو أن شخصاً يملك عشرين قطعة أرض أو عشرين شركة، وباع الأولى والثانية حتى وصل الى الشركة الخامسة عشرة، ولم يجد أهله ثماراً لكل هذا, بل وشعروا أن البيع لم يكن تعبيراً عن تصور ناجح ومكتمل فإنهم عندما يأتي لبيع الشركة رقم (16) سيغضبون جداً مع أن الشركة رقم (3) مثلاً قد تكون أكبر وأهم، لكن الغضب هو على كل النهج، وليس لأن الشركة الأخيرة مقدسة.
من الواجب على ركائز في الدولة أن يذهبوا لمعالجة ما تركته هذه المرحلة على وجدان الناس, فالقناعة لدى الأردنيين باتت بأن كل شيء قابل للخصخصة والبيع. والخيال الشعبي والتخوفات المشروعة لدى الأردنيين ذهبت بهم الى مجالات واسعة سياسية وإقليمية, ولهذا فمعالجة الحالة الشعبية هي الأهم، أما بقاء مسؤول أو رحيله فهو أمر صغير، لأنه قد يذهب اليوم ويعود غداً.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية