عليّ أن أعترف هذه المرة بأني فرح لهذا القدوم المبكر لرائحة الصيف ، ذلك أني بت أعاني من القهر من كل هذه البرودة التي تفح في اوصالي ، ومن تلك الاصابع التي تمتد مرتعشة كي تلامس وهج المدفأة ، بينما الشتاء في الخارج يدحرج صوت رياحه في اذني بنوع من التوعد الغامض.
نعم قرفت من المواظبة على متابعة الحالة الجوية المتوقعة لليوم القادم وسئمت بالفعل من ذاك الفتى النحيل الذي يؤشر على المنخفضات القادمة خلال الايام المقبلة بتلك الحكمة المناخية التي تفقد المطر لذته. على اعتبار ان المنخفض هو احد الوحوش المائية الغيبية التي تجيء لنا من قطب بارد وموحش.والتي قد تقتلع بيوتنا من جذورها.
نعم علي ان اعترف بأني ارغب في استعجال الصيف هذه المرة بسبب "الموت اللذيذ" الذي صار يتربص بالعائلات الفقيرة عند كل مدفأة كي يستدرجهم نحو دفئه ومن ثم يخنقهم الواحد تلو الآخر بسبب تلوث وانعدام الاوكسجين. كي يمارسوا حضورهم الميت في اليوم التالي بكامل قيافتهم العائلية في الصحف.
وعليّ أن اعترف ايضاً بأني سئمت هذه الضبابية المطرية التي تضبب الوجوه حولي وكل الامكنة التي اذهب اليها ، مثلما سئمت ايضاً من هذه السماكات في الملابس التي تثقل على اجساد الناس كي تحولهم الى ما يشبه الدمى الغبية المحشوة بالملابس بحجة الحاجة الى الدفء.
انها اذن رائحة الصيف هذه التي تجيء مبكراً هذه الايام كي تفح في عروقنا كل هذه الرغبة في التخلي عن سماكة ملابسنا. وتدعونا الى فتح النوافذ والاطلالة من الشرفات ، والذهاب نحو الشوارع والمقاهي كي نتمتع بهذا الوضوح الصيفي المباغت الذي انتشلنا من غيابنا وبياتنا الشتوي .انها رائحة الصيف التي تقود الربيع الاخضر بكل هذا الحسن الطفولي الجميل.
انها رائحة الصيف التي تجعلنا نتأكد باننا غبنا طويلاً عن ذاك التعرق الصيفي الذي تطلق عبقه الروح ، وعن تلك المسامات التي تستر عليها الشتاء طويلاً لتبدو كجلد جديد يتجدد بالحضور البهيج للصيف.
انها رائحة الصيف التي تطلقها الارض مبشرة بالربيع وبكل هذا الكرنفال الاخضر الذي يجعلنا نلوح بأيدينا كي نلقي على شتائنا الفائت تحية الوداع ونحن نمجد حكمة تقلب الفصول.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور