قاون إشهار الذمة المالية قضى سنوات وسنوات في أدراج مجلس الأمة حتى خرج الى العلن وأصبح موضع التنفيذ، وكان وراء تعطيله أو محاولة إقراره أن البعض من أصحاب المواقع الهامة يعتقدون أن القانون فيه مس بهيبتهم، فكيف بأصحاب الدولة والمعالي والسعادة أن يقدموا إشهارا بما يملكون، حتى وإن كان إقرارا شكليا وأوراقا يكتبها صاحبها حسب ذمته، لكن قيمة القانون أنه خطوة وليس كل الحكاية في ضبط الثراء غير المشروع، فإمكانيات الالتفاف على القانون قائمة، وربما يحتاج الى تطوير حقيقي وآلية للمتابعة، وبخاصة أن الكبار لديهم قدرات على الحفاظ على سرية ثرواتهم في بنوك الخارج فضلا عن عقاراتهم وأسهمهم في البورصات العالمية.
ومع ذلك فالهيئة الرسمية المعنية بالقانون ليست مسؤولة إلا عن تنفيذ القانون النافذ، ويسجل لها جرأتها في إحالة المسؤولين الذين لم يقدموا إشهارا لذممهم المالية الى القضاء لأنهم خالفوا القانون بعدما انتهت المهلة القانونية، وسواء كان عدم الالتزام لعدم تقدير الجدية للجهة المعنية، أو لقناعتهم أن موضوع الذمة المالية وفكرة القانون ليست إلا شكليات.
المدعي العام استدعى اثنين من موظفي البلديات وهو إجراء قانوني إيجابي، لكن كنا نتمنى أن تكون البداية مع الكبار وتحديدا أعضاء السلطة التشريعية فهؤلاء الأولى في الحفاظ على القانون، والمسؤول هو القدوة في تطبيق القانون واحترامه، وحتى لو كان قانون إشهار الذمة ليس قادرا على ضبط عملية الثراء غير المشروع إلا أنه يبقى قانونا لا بد من الالتزام به.
نتمنى أن لا تكون البداية مع صغار الموظفين حتى وإن كانوا مصنفين بالقانون ممن يجب عليهم إشهار ذممهم المالية، فالأولى أن تتم محاسبة النواب أو الوزراء السابقين أو العاملين أو أصحاب المواقع الكبرى الذين خالفوا القانون ولم يلتزموا به، لأن المواطن الأردني الذي احترم التزام الهيئة المشرفة على تنفيذ القانون إحالتها للمخالفين الى القضاء، واحترام التزام المدعي العام ومباشرته باستدعاء بعض المخالفين، هذا المواطن يراقب مدى تطبيق القانون على الكبار، لأنه لا يريد أن يتم استدعاء الموظفين، وهذه الرغبة لا تقلل من قيمة الإجراء القضائي الذي هو محل الاحترام والتقدير.
مهما كانت (العقوبات) أو استحقاقات مخالفة القانون فالعبرة في الدلالة السياسية للأمر، لأن في وجدان الأردنيين أن الكبار يمكنهم دائما إيجاد مخارج لهم إذا ما خالفوا القانون، ولديهم قناعة أن الحديث عن الفساد منذ عام 1989 وحتى اليوم حتى وإن لم تتم معاقبة كثير من الفاسدين إلا أنه شكل ثراء للكثيرين، ثراء معلنا او غير معلن، لكن ليس كل ثراء لمسؤول هو فساد، لكن هناك ثروات أشبه بالطفرات.
مرة أخرى يحتاج قانون إشهار الذمة المالية الى آليات لتطويره، وهو على وضعه الحالي خطوة إيجابية، لكنه في معظمه توثيق لما يعترف به المكلفون من ثروات، لكن يحتاج الأمر الى تدقيق للثروات التي لا يتم الاعتراف بها، والى التدقيق في تطور الثروات، أو ربما الى هيئات مساندة تنفيذية حتى نصل الى مرحلة يحسب صاحب الموقع حسابا لكل دينار لا يستحقه يدخل الى حسابه، أو لعمولات أو حتى القرارات الإدارية التي تجلب الثروة أو للسمسرة وغيرها من أشكال الثراء.
المواطن العادي يقدم إشهارا يوميا لذمته في الدكان ومحل الخضار والضيق الذي يحتاجه إذا احتاج ابنه لباسا أو حذاء في منتصف الشهر، أما من يشملهم القانون فحتى لو كان مطلوبا منهم توثيق ما يحبون الاعتراف به من ثروات فإن الأمر أن هناك قانونا يجب تطبيقه، وسنبقى نحمل أملا في تطوير مثل هذه التشريعات لعلنا في مرحلة ما نصل فيها الى أن يخاف المسؤول إذا ما وسوست له نفسه بناء ثروة من حرام.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية