القصة الخبرية التي تناولتها الصحف الاردنية امس واول امس عن المعلم الذي دفع الطالب "11"عاماً ، لدى مراجعة الاخير له بشأن موضوع دراسي ، وجعلته يقوم بضرب الطفل بخزانة حديدية أدت الى انفجار مقلة العين اليمنى للطالب تشير الى ان مدارسنا بدأت تتحول الى معتقلات صغيرة. يتحول فيها الطلاب الى محكومين بالاشغال الشاقة الدراسية ويتحول بعض المعلمين فيها الى سجانين من الممكن أن يرتبكوا حماقات بحق الطلاب تؤدي الى عاهات مستديمة.

وفي أصل القصة نجد أن المعلم الذي خرج متوتراً اثر مشادة بينه وبين المدير التقى الطالب الذي سأل المعلم عن مادة دراسية فما كان من المعلم الا وأن فرغ شحنة غضبه من مديره بالطالب وضربه بالخزانة المعدنية.

الحادثة ادارية بامتياز ولا علاقة لها بالشغب الطلابي الذي كثيرا ما نحمله من الاخطاء التي تحدث في المدارس. وهذا يعني أن المسألة تخص المعلم قبل أن تخص الطالب. وهذا يعني ايضاً أننا بحاجة فعلاً الى اعادة النظر بواقع التأهيل النفسي والاداري والتربوي للمعلم.

فالمعلم الذي طالبونا بالوقوف له ونشدنا له شعرنا حتى كاد ان يكون رسولا ، لم يعد ذلك المعلم الذي كان يتقاضى راتباً يتوجه كعنصر فاعل في الطبقة الوسطى ، وبكل المعطيات الاخلاقية التي تتجلى في طبائع هذه الطبقة. ولم يعد هو ذاته ذاك المعلم الذي كانت تتسع دائرته التربوية حتى تطال الحي وعائلة الطالب والتواصل الحميم مع مرجعيات الطالب الحياتية والارتقاء بها. فيحظى بالاحترام الكبير في كل المحافل الاهلية ونحن ننادي عليه "يا.. استاذ" باحترام منقطع النظير. المعلم فقد كل هذا وتحول الى كادح حقيقي يبحث عن سُبل الحياة.

المعلم تم انتزاعه من طبقته الوسطى بحكم شظف العيش وبحكم المتطلبات الحياتية القاسية وتم زجه قسراً في تعرجات ونتوءات الطبقة الكادحة ، وتحول الى كادح حقيقي في الصف المدرسي براتبه الشهري المتواضع جداً وبالعلاوة السنوية التي لا تتعدى الثلاثة دنانير أو ما يزيد عن ذلك قليلاً.

المشاكل التي بدأت تتخلق في مدارسنا الحكومية لم يعد لها علاقة بالشغب الطلابي بقدر ما لها علاقة بشخصية المعلم التي اخذت هذه الايام تعيش وضعها الانقلابي على صعيد الحياة ومتطلباتها المعيشية.

والحال اننا يجب وقبل ان نشرع بابتكار الافكار التربوية للارتقاء بالتعليم واساليبه ، ان نبدأ بدراسة الواقع النفسي والحياتي للمعلم والارتقاء به عن كل هذه المشاكل التي صارت تولد العاهات المستديمة لطلابنا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور