ظلّ الجسد في الثقافات المثيولوجية الشرقية يتوازى مع فكرة الخطيئة ، وظلّ النزوح باتجاه العمل على تثقيف الروح على حساب الثقافة الجسدية هو الديدن الذي تقوم عليه معظم المناهج التربوية في الشرق.

وهكذا يبدو الجسد في المخيال العربي كالبعبع الذي نتطير منه ونتحاشاه ونعمل جاهدين على تعميته وازاحته وتحاشي التفكر فيه. فصار الجسد الذي تسكن فيه ارواحنا وكل ما نملك من طاقة حياتية هو اسير لعماء عام وسذاجة متفشية في عدم فهم هذا الجسد والوعي بتضاريسه.

نعم اننا نتعامل مع اطفالنا تربوياً ونحن نركز على تشييد المعايير الاخلاقية فيهم من ايثار وكرم وشجاعة ومطالبة بالتحلي بمكارم الاخلاق وننسى هذا الغباء المزمن الذي نعاني منه في تعاملنا مع اجسادنا.

اننا نتجاهل اجسادنا تماماً ونقف واياها امام الطبيب لحظة مرضها ونحن نتهجاها ونتهجى الالام التي نعاني منها ونشرح ذلك بأمية واضحة. فنحن نحمل اجساداً لا نعي تفاصيلها وآلية عملها.

فالكلسترول الذي يهدد القلب وشراينه بالانسداد وجلطة الموت المباغت يبدو لنا وكأنه كائناً فضائياً. والامر ذاته ينطبق على نوعية الدم وصفائحه الحمراء والبيضاء وارتفاع الضغط فيه وانخفاضه. وتقف الشحوم الثلاثية باسمها العدواني هذا وكأنه العدو الغامض المقبل على الجسد بحشود ثلاثية ، اما البنكرياس فانه يبدو في ذهنية العامة وكأنه احد الاسلحة السرية التي يصعب فهمها والتعامل معها الا حين يقع فأس السكري في الراس ويبدأ بقضم اطراف الجسد بفتح الجرح الذي لا يلتئم الا بالقطع. وبالطبع هناك تعمية كاملة على الكبد والرئتين والكلى بحيث تبدو كل هذه المسميات مجتمعة وكأننا لا نملكها ولا تتحرك بها اجسادنا صبح مساء.

ان ثقافة الجسد السائدة هي ثقافة التسمين والتنحيف وابتكار البرامج الخاصة بالروجيم القادر على شفط الدهون واحراقها في اسرع وقت ممكن كي نحصل على القوام المدهش ، اما تعميق الوعي بتفاصيل الجسد ومعرفة عمل الاعضاء الداخلية فيه فهي من الاعمال التي نتحاشاه ونقفز عنها وكأنها لا تخصنا.

لكننا وحينما يقودنا المرض الى عيادة الطبيب المثقف جسدياً نبدأ بقضم اظافرنا ندماً غلى هذا الغباء الجسدي الذي جعلنا نقود اجسادنا كل تلك السنوات الطويلة دون ان نتعرف عليها.

وتلكم هي المآساة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور