في يوم الاستقلال وذكراه الجميلة يكون من حق الأردن علينا أن نتحدث في أمر في صلب الاستقلال والسيادة والحفاظ على الهوية الوطنية والسياسية للدولة الاردنية. وهو أمر ليس جديداً بل تم تداوله كثيراً وخرج موقف رسمي حازم وحاسم عبر عنه الملك اكثر من مرة، لكن يتم تداوله من البعض تحت عنوان خيارات "ما بعد تعثر مسار التسوية" على المسار الفلسطيني. ويعود البعض للحديث عن ضغوط متوقعة (لفرض) الخيار الاردني تحت عنوان الفدرالية او الكونفدرالية أو دور أردني أمين او اداري في الضفة الغربية.
وكما أشرت؛ فإن الحكاية ليست في الموقف الرسمي المعلن، فهذا الموقف واضح، لكن الحكاية الجديدة في نبرة حديث يعتبر ان هناك قدراً إلهياً لا مفر منه وهو الضغوط التي ستأتي علينا ليكون ثمن فشل التسوية او تعثرها على حساب الهويتين الاردنية والفلسطينية، وعلى حساب الدولة الاردنية، وحق الشعب الفلسطيني في الحصول على دولته.
ويذهب (هؤلاء) الى حد يفهم من يقرأ او يسمع ما يقولون الى ان الاردن هو "الحيط الواطي"، وان ثمن فشل او تعثر المفاوضات هو فرض سيناريو ظالم للاردن وفلسطين. البعض ممن يطرحون هذا مخلصون غيورون، وربما من شدة الحماس والانتماء تسكنهم المخاوف، ولهذا يطالبون الدولة بخطط بديلة لمواجهة هذا الاحتمال أو السيناريو، وهذه المطالبة حق، لكن ليس على قاعدة ان ما تنشره صحف عربية او اسرائيلية هو قدر الهي قادم لا راد له.
كل من يعمل بالعمل السياسي يفترض أنه لا يثق بالطرف الاسرائيلي، ويعلم انه طرف يريد ان يأخذ دون ان يعطي اي شيء. ونعلم ان هذه الخيارات مطروحة، لكن ليست قدراً، وان عدم اقامة الدولة الفلسطينية نهاية العام سيعني ان خيارات سيتم فرضها على الاردن، وتلقائياً ستفرض على الشعب الفلسطيني.
المفاوضات بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين متعثرة منذ ان تم توقيع اتفاق اوسلو، وستبقى مستمرة لكن بتعثرها، واي فشل ليس فشلاً اردنياً، بل هو اولاً لاطراف اخرى، وحتى لو كانت اطراف اميركية او صهيونية تفكر بخيارات اخرى فهي ليست قدراً لا راد له، ولا ضرورة للهلع وان كان الاطمئنان لا يعني النوم في العسل.
سأذكر قصة سمعتها من وزير كان في حكومة اردنية، في عهد اتفاق كامب ديفيد، يوم ان كان الاردن سيتعرض لضغوطات اميركية شديدة حتى يكون طرفاً في هذه الاتفاقية نيابة عن الفلسطينيين، وهذا كان قبل فك الارتباط، ويومها جاء الملك حسين رحمه الله الى مجلس الوزراء مهموماً مشغولاً، وطلب رأي الحكومة، واستمع الى آراء البعض ممن اعتقدوا ان الملك سيوافق، لكنه حسم أمره ورفض الانضمام الى كامب ديفيد ورفض الضغوطات الشديدة، وكانت مرحلة تم تجاوزها، حتى لو كان لهذا ثمن.
كل الدول في بعض المحطات تتعرض لضغوطات او منعطفات كبيرة، والعبرة بإدارة الدولة لرجالها وقرارها ولنفسها، لكن البعض حتى بحسن نوايا يتحدث ويكتب وكأنه يقول للناس إن ما يريده الاسرائيليون والاميركيون سيتم فرضه، وهذا أمر غير سياسي، لكننا نتفق مع الرأي الذي يدعو الى ضرورة إزالة الشوائب والثغرات في أدائنا الداخلي. هذا ليس لان المفاوضات قد تتعثر، بل لان التماسك الداخلي ضرورة دائمة، والتماسك الداخلي في بعض تعريفاته اعادة الاعتبار للمؤسسات واسناد المواقع المفصلية لاصحاب الحضور الشعبي والسياسي والمصداقية والاحترام، وممن لم تختلط صورهم في اذهان الناس بالتجارة او الشكوك السياسية.
الخيار الأردني حكاية متجددة كل فترة، لكن تقديمها بصفتها استحقاقا لا مفر منه بحاجة لاعادة نظر، لان هذا الخيار اياً كان شكله هدية ثمينة للسياسة الصهيونية، فهو يعني حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في دولة وسلب الدولة الاردنية جزءاً هاماً من هويتها السياسية والوطنية، بما في ذلك جزء من الاستقلال الذي نحتفل بذكراه اليوم.
المطلوب أن نثق بدولتنا وشعبنا، وهذا لا يعني اننا لسنا بحاجة الى إصلاح أوضاعنا، لكن الاستسلام لمقالات أميركية وإسرائيلية ليس مطلوباً، ومن يعيشون خارج السلطة ويريدون التشكيك بخصومهم عبر اعطاء هذه الأقاويل صفة القدر المحتوم يساهمون بصناعة أجواء غير حقيقية.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية